لَكِنّهُ أَوْرَثَني
كان صوتا ينساب كل فجر كندى يتسلل من بين أوراق التين العتيقة في فناء دارنا. لا يرفع صوته كثيرا، ولكن آياته كانت تخترق جدران الصمت، فتُحيي في القلب رجفة الطمأنينة، وتزرع في زوايا البيت سكينة لا توصف.
جدي لم يكن فقيها مشهورا، ولا عالِما يتصدر المجالس، لكنه كان من أهل الله وخاصته،في السماء معروفا. كان القرآن أنيسه، ورفيقه في الوحشة، وسندَه في المرض، ومصباحه في عتمات الحياة.
كلما جلست بجانبه، كنت أشعر أن الزمن يتباطأ، كأن اللحظة تسجد أمام مقام الهيبة. يفتح مصحفه بعينين أنهكهما السهر، ويبدأ التلاوة بصوت يقطر نورا وخشوعا، وكأن الملائكة تحفنا، ونحن نستظل بجناحي الرحمة.
كنت أراقب أصابعه المجعدة وهي تتنقل على الآيات، وكأنها تحفظها منذ الأزل. لم يكن يقرأ فحسب، بل كان يعيش كل حرف، كأن القرآن نُزّل عليه خاصة، وكأن كل آية تهمس له بسرّ لا يفهمه سواه.
حين يغفو، يبقى المصحف مفتوحا بجانبه، كأنه لا يريد فراقه حتى في النوم. وحين يدعو، كان دعاؤه يخرج من قلب صقلته التلاوة، ودموع غسلها الذكر، وصمت شرب من نهر النور.
لم يكن يشكو من الفقر، ولا يتأفف من التعب، بل كان يقول: «من كان القرآن جليسه، فبأي همٍّ يُصاب؟!»
جدي لم يترك لي ذهبا، ولا دارا فاخرة، لكنه أورثني أجمل ميراث: حب القرآن.
وربما لهذا، كلما فتحت مصحفي الآن، أشعر أنه لا يزال حيّا. يبتسم من بعيد، ويقول لي بصوته الخفيض:
« يا بني، لا تهجر الذي لا يهجرك، فالقرآن رفيق الصادقين.»
رحمك الله جدي، وجعلك في أعلى عليين، مع الصديقين و الشهداء، وحسن أولئك رفيقا.
اللهم توفني مسلما، وألحقني بالصالحين.
جواد العوالي

33 مشاهدة