
مقال 3 دقائق للقراءة
البحر شاعر لا يكرر قصيده.
أكثر ما يدهشني في البحر أنه لا يكرر نفسه، مع أنه يبدو كأنه يمارس الطقس ذاته منذ ملايين السنين. مد وجزر، موج يعلو ويخفت، ماء يمضي إلى الشاطئ ثم يعود إلى الماء، ورياح تعبر فضاءه وتتركه لغيرها. الحركة واحدة في ظاهرها، أما ما تولده في كل مرة فله وجه آخر، ونبرة أخرى، وحكاية لم تُروَ من قبل. ولعل القمر أحد أقدم أسرار هذه الحكاية. يطلّ من عليائه، بعيدًا عن الماء، ومع ذلك يشد أعماقه نحوه. لا يلمسه، فيتحرك؛ لا ينزل إليه، فيرتفع؛ كأن بينهما عهدًا خفيًا تتكفل الجاذبية بحفظه منذ أزمنة لا يعرف البحر بدايتها. حين يكتمل القمر، يتغير إيقاع الماء. يرتفع المدّ، يتراجع الجزر، وتتقدم الأمواج نحو الرمل كأنها استجابة لنداء بعيد. وفي ليالي المحاق، حين يختفي وجه القمر عن العين، يبقى أثره حاضرًا في حركة البحر. علاقة غريبة بين جسدين تفصل بينهما مسافة شاسعة، يصل تأثير أحدهما إلى الآخر دون لمسة. ثم تأتي الموجة؛ تلك التي رأيتها صباحًا عند الشاطئ، وتلك التي ستراها عند الغروب، فتبدو لك في ظاهرها من السلالة نفسها، بينما تحمل كل واحدة منها شخصية مستقلة. واحدة تنكسر بخفة على الرمل، وأخرى تضرب الصخور كأنها تسترد حقًا قديمًا، وثالثة تتقدم مترددة، كأنها تتعلم للمرة الأولى طريقها إلى اليابسة. حتى المدّ لا يعود بالوجه نفسه. مرة يزحف هادئًا، كيدٍ تربت على كتف الأرض، ومرة يتقدم واثقًا فيغمر المساحات التي تركها بالأمس للرمل والقارب والشبكة. ثم ينحسر، فيكشف ما أخفاه: صدفة بين حجرين، أثر قدم، خيطا نسيه صياد، أو مجرى صغيرًا رسمه الماء في الرمل. والرمل نفسه يدخل في هذه الكتابة؛ كل موجة تمسح سطرًا وتترك سطرًا، وكل ريح تعيد ترتيب الحروف، وكل قدم تضيف إلى الصفحة أثرًا عابرًا. الشاطئ يبدو ثابتًا لمن ينظر إليه من بعيد، وحين تقترب منه تراه في كتابة لا تهدأ. حتى لون البحر يشارك في هذا التجدد. في الفجر يبدو رماديًا كفكرة تتلمس طريقها إلى الوجود، ثم يتكثَّفُ أزرقَ في الظهيرة حتى يبدو كيقين عميق، وعند الغروب تذوب فيه النار والذهب والنحاس والفضة، كأن الشمس تنزل إلى الماء لتكتب وصيتها الأخيرة قبل أن تغيب. وصوته أيضا له ألف مقام. همس خافت حين يلامس الرمل، وهديرٌ واسع حين تشتد الريح، وارتطامٌ حاد حين تصطدم الموجة بالصخر، ثم صمتٌ عميق في بعض الليالي، صمت يبدو معه البحر كأنه يصغي إلى شيء يأتيه من جهة القمر. ولعل الصياد أكثر شخص يدرك هذه الحقيقة؛ يرمي الشبكة في البحر نفسه، ويعود إلى النقطة نفسها، ينتظر في الساعة نفسها، ثم يكتشف أن البحر حمل له شيئًا آخر. تغيّر التيار، تبدلت الريح، تحرك السمك، تغيرت السماء، وحتى الماء الذي ظنه كما تركه بالأمس كان قد عاش يومًا كاملًا من الأسرار. لهذا يبدو البحر لي كأنه شاعر يكتب القصيدة نفسها منذ الأزل، بالأدوات ذاتها، ثم يفاجئنا في كل مرة بمعنى جديد. القمر يحرّك يده من بعيد، والريح تغيّر نبرته، والشمس تبدل ألوانه، والصخر يمنحه إيقاعًا، والرمل يحتفظ ببعض ما كتب ثم يمحو بعضه. البحر ثابت في فعله، متجدد في حضوره؛ يكرر الحركة ولا يكرر التجربة، يعيد المشهد ولا يعيد المعنى. وكل موجة فيه محاولة جديدة لفهم الشاطئ، وكل مدٍّ رسالة من القمر، وكل جزرٍ عودة مؤقتة إلى سر الماء. وربما لهذا، منذ ملايين السنين، يظل البحر يفعل الشيء نفسه، ولا يملّ أحد من النظر إليه.
