مناجاة
يا أيّها الخوفُ،
يا طفلِيَ المذعورَ السّاكنَ فيّ،
يا ارتجافَ الرّوحِ عاريةً أمامَ المجهول،
يا ظِلَّ السّؤالِ الّذي يطولُ... ولا يجدُ جوابًا،
يا جدارًا نبنيه من حجارةِ ما لمْ يحدُث،
يا لصَّ اللّحظاتِ الهاربَ بأفراحِنا قبل أن تكتمل،
يا مرآةَ القلبِ حين يرى هشاشتَهُ الأولى،
يا بحرَ العتمةِ الّذي نخافُ الغرقَ فيه،
ثم نكتشفُ أنّه كان يعلّمنا السّباحة.
كم طاردتُكَ يا صاحِبي،
كم طاردتُكَ وأنا أظنُّ أنّ نجاتي الابتعادُ عنكَ،
وكم أغلقْتُ الأبْوابَ في وجْهِكَ
تلك الأبوابَ الّتي لم تكنْ تريدُ اقتحامَها،
كنتَ فحسْبُ طفلًا ضلَّ طريقَهُ إلى الطّمأنينة.
يا صاحِبي اللّيليّ،
يا ابنَ الليالي التي لم تجدْ طريقَها إلى الصّباح،
كم مرّةً جئتَني كلّما أطفأتِ الحياةُ مصابيحَها،
وجلستَ عند حافّةِ قلبي
تعدُّ معي خيباتِ النّهارِ وندوبَ السّنين،
لم أعرفْ أنّك لم تكنْ عدوًّا، يا صاحبي..
بل كنتَ صوتَ جزئيَ المكسورِ
حين يعجزُ عن الكلام.
يا أيّها الممثّل البارع
كنتَ ترتدي قناعَ العاصفة،
وأنتَ غيمةٌ تبحثُ عن أرضٍ تبكي عليها،
وتتخذ شكل الهاوية،
وأنتَ حفرةُ الّنّورِ،
أُطلُّ منها على ضعفي.
يا صاحبي اللّيليّ،
كم خبّأتَ عنّي وجهيَ الآخر،
وجهَ الطّفلِ الّذي لم يتعلّمْ بعدُ
كيف يربّتُ على جرحِه بدلَ أن يلعنه،
وكيف يُصادقُ ارتجافَهُ بدلَ أن يهربَ منه.
تعالَ...
ضعْ رأسَكَ على كتفِ الصّمتِ،
وسأضعُ يدي على جبينِك المتعب،
لن أقولَ لكَ ارحلْ هذه المرّة،
لن أفتحَ بابًا للهروب،
بل سأهمسُ لكَ كما يُهمسُ لطفلٍ أنهكهُ البكاء:
اهدأ يا صاحبي...
اهدأ يا طفلَ الظّلامِ الباحثَ عن حُضنِ النّور،
فهذا اللّيلُ ليس وطنَنا الأخير،
وكلُّ ما أخافَ القلبَ يومًا
سيأتي فجرٌ ويصغرُ أمامَه.
يا رفيقَ الخطواتِ المرتبكة،
لعلّك لم تكنْ سوى معلّمٍ قاسٍ،
أدخلني مدرسةَ العتمةِ،
حتى أتعلّمَ أنّ الضّوءَ لا يُهدى لمن لم يعرفْ معنى العتمة.
يا صاحبي اللّيليّ،
يا هذا المرتجف في دمي قبل أن يرتجفَ العالمُ من حولي،
سامحني لأنّي قضيتُ عمرًا أقاتلُكَ،
بينما كنتَ تحملُ عنّي
ما عجزتُ عن حملِه وحدي.
يا أيّها الخوفُ،
يا طفلِيَ الأوّلَ قبل الفرح،
يا رفيقَ الخطواتِ المرتبكة،
خذْ من قلبي مكانًا آمنًا،
فقد تعلّمتُ أخيرًا
أنّ الإنسانَ لا ينتصرُ على خوفِه
حين يقتله،
بل حين يمسكُ بيدِهُ
ويمشي معه
كما مشى أورفيوسُ في مملكةِ الظّلال،
باحثًا عن نغمةٍ تعيدُ للحياةِ صوتَها.
