سَأَرْكَبُ مَرْكَبِي وَأَشُقُّ بَحْرِي ✦
سَأَرْكَبُ مَرْكَبِي
وَأَشُقُّ بَحْرِي،
أَنَا السَّهْمُ
وَالرِّيحُ قَوْسِي،
وَالْمَدَى
جُرْحٌ مَفْتُوحٌ.
أَرْفَعُ شِرَاعِي،
فَتَنْهَضُ مِنَ الْمَاءِ
خُيُولٌ زَرْقَاءُ،
تَجُرُّنِي نَحْوَ جِهَةٍ
تُخَبِّئُ تَحْتَ تُرَابِهَا
خُطَى الَّذِينَ مَضَوْا.
فِي الْقَلْبِ
امْرَأَةٌ مِنْ ضَوْءٍ،
تَمْشِي عَلَى حَافَّةِ اللَّيْلِ،
وَكُلَّمَا مَرَّتْ
تَفَتَّحَتْ فِي الْعَتْمَةِ
نَوَافِذُهَا.
أَمُدُّ يَدِي لِلْمَاءِ،
فَتَطْلُعُ سُنْبُلَةٌ،
وَأَمُدُّهَا لِلسَّمَاءِ،
فَتَسْقُطُ نَجْمَةٌ
فِي رَاحَتِي.
أَجْمَعُ الضَّوْءَ
وَالْقَمْحَ،
وَأَمْضِي.
أَحْمِلُ اسْمَكِ
فِي جَيْبِ مِعْطَفِي،
وَأَحْمِلُ اسْمَ الْبِلَادِ
فِي الْجُرْحِ،
وَأَتْرُكُ اسْمِي
لِلرِّيحِ.
فَمَا حَاجَتِي إِلَيْهِ،
وَالْعُمْرُ نَفْسُهُ
أَثَرٌ عَابِرٌ
عَلَى كَتِفِ الْغِيَابِ؟
أُعْطِي الْعَاصِفَةَ
مَا تَبَقَّى مِنْ خَوْفِي،
وَأَضَعُ قَلْبِي
فِي مُقَدِّمَةِ الْمَرْكَبِ،
لِيَكُونَ أَوَّلَ مَا
تَصْطَدِمُ بِهِ الرِّيَاحُ.
فَإِنْ جَاءَ اللَّيْلُ،
أَشْعَلْتُ مِنْ عِظَامِي
قِنْدِيلًا،
وَإِنْ جَاءَ الْبَرْدُ،
نَزَعْتُ عَنْ رُوحِي
مِعْطَفَهَا،
وَأَلْقَيْتُهُ
عَلَى كَتِفِ الطَّرِيقِ.
فَوْقِي مُدُنٌ
مُعَلَّقَةٌ بِالنُّجُومِ،
وَتَحْتِي مُدُنٌ
نَائِمَةٌ فِي الْمِلْحِ،
وَبَيْنِي وَبَيْنَهُمَا
شِرَاعٌ وَاحِدٌ،
يَحْمِلُ عُمْرًا
لَا يَعْرِفُ
سِوَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ.
كُلَّمَا انْفَتَحَ الْأُفُقُ،
ظَهَرَتْ زَيْتُونَةٌ
فِي مَكَانٍ مُسْتَحِيلٍ،
جُذُورُهَا فِي السَّمَاءِ،
وَأَغْصَانُهَا
تُلَامِسُ الْأَرْضَ.
أَرَاهَا
فَتُلَوِّحُ لِي،
أَقْتَرِبُ مِنْهَا،
فَيَصِيرُ غُصْنُهَا يَدًا،
وَتَصِيرُ الْيَدُ
ذَاكِرَةً،
وَتَصِيرُ الذَّاكِرَةُ
بَيْتًا.
خَلْفِي تَسْقُطُ
خَرَائِطُ الْعَالَمِ،
وَتَنْطَفِئُ
أَسْمَاءُ الْمَوَانِئِ،
وَيَبْقَى فِي الْأُفُقِ
بَيْتٌ صَغِيرٌ،
تُضِيءُ نَافِذَتَهُ
يَدٌ أَعْرِفُهَا.
أَصِلُ بِلَا رَايَةٍ،
وَلَا تَاجٍ،
أَصِلُ وَفِي يَدِي
بَقَايَا شَمْسٍ،
سَرَقْتُهَا
مِنْ آخِرِ الْأُفُقِ.
أَغْرِسُهَا فِي التُّرَابِ،
فَتَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ
شَجَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ،
يَمْتَدُّ ظِلُّهَا
حَتَّى نَافِذَتِكِ.
أَمْشِي تَحْتَهَا،
فَتَسْقُطُ عَلَى كَتِفِي
حَبَّاتُ قَمْحٍ،
وَأَسْمَعُ الْبَحْرَ
يَنْسَحِبُ بِهُدُوءٍ
مِنْ دَمِي.
هُنَاكَ فَقَطْ،
أَخْلَعُ عَنْ قَلْبِي
مِلْحَ الرِّحْلَةِ،
وَأَتْرُكُهُ
فَوْقَ التُّرَابِ.
فَيَكْبُرُ.
وَيَصِيرُ شَجَرَةً
تَجْلِسِينَ تَحْتَ ظِلِّهَا،
وَيَجْلِسُ الْوَطَنُ
بَيْنَنَا...