7 أكتوبر العزة والكرامة
في مثل هذه الساعات من فجر هذا اليوم السابع من أكتوبر قبل عام، كانت غزة تغمرها سكينة الليل، بينما الأنفاس تتصاعد في صدور أولئك الذين يترقبون ما يحمله القدر، في لحظة مفاجئة، انفجرت السماء دفعة واحدة، ليس عشوائيًا، بل وفق تخطيط دقيق يشهد على عزم لا يلين ، وكأن قلوب المحاصرين قد تجمعت وأعلنت بصوت واحد أن الحصار لا يقهر الروح، ولا يخمد شعلة المقاومة، لقد كانت غزة، تلك الأرض الصغيرة التي تقف شامخة وسط بحر من النار، تبعث برسالة واضحة إلى العالم قائلة: الحق لا يُملى عليه ولا يخضع لأحد، "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق"
اهتزت الأرض تحت أقدام أبطال غزة، وانطلقت صواريخ طوفان الأقصى كأنها نجوم في سماء الليل، تحمل معها غضبًا مكبوتًا ، كانت السماء في ذلك اليوم تضج بأصوات الصواريخ، في مشهد أعاد إلى الأذهان بطولات المؤمنين في بدر وأحد، حينما واجه القلة الكثرة، وانتصر الحق على الباطل.
تردد صدى خمسة آلاف صاروخ في سماء فلسطين، انطلقت دفعة واحدة نحو العمق الإسرائيلي، مستهدفة مواقع استراتيجية دقيقة، وكأنها تعيد تشكيل معادلة القوة، متحديةً كل مفاهيم العجز ، لم يكن هذا الهجوم مجرد عملية عسكرية، بل تعبيرًا عن إرادة لا تُقهر، إرادة من يؤمنون بأن الموت يطاردهم في كل لحظة، لكنهم يعيشون بنبض النصر حتى ولو بدا بعيدًا، إرادة من يؤمنون بـ "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين".
يعيشون "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين"، صبروا واستطاعوا أن يصنعوا المعجزات في مكان يُمنع فيه كل شيء من الطعام إلى الدواء، كان هناك من يُبدع في صناعة الأسلحة، كل شبر من غزة تحول إلى معمل، وكل يد كانت جزءًا من سلسلة لا تنقطع من العقول التي قررت تحويل المستحيل إلى واقع.
تحت الأرض وفي الأنفاق المظلمة، عمل مهندسو المقاومة ليلاً ونهاراً، يصنعون الصواريخ من مواد بسيطة، يجمعون الحديد والخردة ويحولونها إلى قوة تردع أعتى قوة عسكرية في المنطقة، لسان حالهم "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم"
عندما تنطلق الصواريخ من غزة المحاصرة، فإنها لا تحمل ضربة للعدو فقط، بل رسالة واضحة: أن غزة، رغم الألم والحصار، لا تزال قادرة على توجيه ضربات موجعة لقوة الاحتلال.
العالم يشهد بدهشة كيف استطاع أبطال المقاومة أن يصنعوا أسلحة دقيقة بموارد محدودة، متحدين كل قوانين الحرب التقليدية ، في تلك اللحظات، كان الاحتلال يدرك أن مقاومته لم تعد مجرد رد فعل، بل نتاج تنظيم وتخطيط استراتيجي متكامل.
مر عام على الطوفان، ولم تنكسر غزة ، رغم الحصار والقصف المتواصل، المقاومة مستمرة، فهي ليست مجرد معركة من أجل الأرض، بل من أجل دين وكرامة وشرف متسلحين بـ "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون".
كل صاروخ يُطلق هو جزء من حرب استنزاف طويلة، حيث تتحول كل لحظة إلى فرصة لتحدي الاحتلال وكسر إرادته.
وما زال العدو الإسرائيلي يطلق قذائفه وصواريخه على غزة في محاولة لكسر روحها، وتدمير البنية التحتية للمقاومة، واستهداف قياداتها، وقتل أبريائها، لكنه يُفاجأ في كل مرة بأن غزة لا تنكسر، بل تزداد قوة ، لقد تعلم أبطالها فنون القتال تحت الحصار، وصنعوا لأنفسهم دروعًا من الإيمان والتخطيط المحكم ، إن المقاومة تنهض من كل ضربة، وتتجدد روحها مع كل قصف وعدوان.
ذلك الجيش الذي كان يتبجح بقدرته على سحق أي مقاومة، وقف عاجزًا أمام عزيمة غزة ، لقد اعتقدوا أن الحصار سيُضعف المقاومة ويُقيدها، لكنهم لم يفهموا أن الحصار قد صقل عزيمة أهل غزة، وجعلهم أكثر إبداعًا في أساليب المقاومة.
ذلك اليوم لم يكن كأي يوم آخر كان أشبه بمعركة الفرقان، يوم التقى الجمعان؛ حينما أطلق أبطال المقاومة الفلسطينية آلاف الصواريخ على إسرائيل في وقتٍ قياسي، مشعلين فتيل معركةٍ لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بل ملحمةً إيمانية ومفخرة للصمود يتسلحون بـ "وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم"، هذه الآية كانت في قلوبهم وصدورهم وهم يواجهون أعتى قوة عسكرية في المنطقة، فهي سلاحهم.
الجيش الذي لا يُقهر كُسرت في ذلك اليوم أسطورته، وأُثبت أن القوة ليست في العدد والعتاد، بل في اليقين بالله، والتخطيط الدقيق، والإصرار الذي لا ينكسر.
ذلك التقدم التقني؛ والسياج الحديدي، والحصن الأسمنتي المنيع، والميركافا، وأجهزة الإستشعار الذي يرصد حتى الذباب وقفت عاجزة، اخترقتها الصواريخ والطائرات الشراعية والياسين 105 والرجال المؤمنين ، كسروا كل التوقعات السياسية، والعسكرية، والإستراتيجية ، لقد استطاعوا تغيير قواعد اللعبة، ليس فقط بالأسلحة والصواريخ، ولكن أيضًا بالاستراتيجية والتخطيط المحكم ، إنهم لا يتركون شيئًا للصدفة؛ كل ضربة مدروسة، كل عملية مخططة بعناية فائقة هؤلاء الرجال، الذين يعيشون في ظروف قد يظنها البعض مستحيلة، أصبحوا معلمين في فنون الحرب الحديثة ، في كل صاروخ أُطلق، في كل عملية تمت، كانت غزة تقول للعالم: "لسنا ضعفاء ، نحن نكتب التاريخ بدمائنا، ونحفر اسمنا في ذاكرة الأجيال."
اليوم الذي شهد انطلاقة "طوفان الأقصى" كان فرصة لكل عربي أن يستعيد كرامته المفقودة، أن يشعر بأن أمة محمد لا تزال قادرة على النهوض من رمادها ، كان هذا اليوم درسًا لكل من ظن أن الهزيمة قدر محتوم ونسيَ "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم" ، كان هذا اليوم تجسيدًا لنصر مستحق لكل من بذل الدماء ووقف في وجه الظلم.
ولكم كنت أتمنى أن أكون بين أولئك الأبطال في تلك اللحظات، مشاركًا في ملحمة تُكتب بدمائهم الزكية، ولكننا هنا، رغم بعد المسافات، نشعر بأن أرواحنا تحلق معكم في سماء غزة، تلك السماء التي شهدت ملاحم العزة والصمود، نشعر أن كل دمٍ يراق هو من دمنا ، أن كل ما يمسكم نشعر به كأنه فينا.
هنا في اليمن، السابع من أكتوبر هو ثورتنا، ووحدتنا،وقوتنا، هو الرابع عشر من أكتوبر ، وهو السادس والعشرون من سبتمبر، هنا نسمع عن غزة وكأنها قطعة من أرواحنا، قطعة من كرامتنا التي تجسدت في رجالها، نحن هنا لا نملك إلا أن نحتضن أخبارها كمن يحتضن قطعة من الجمر، جمرٌ يحرق القلوب ويشعلها، لكنه أيضًا النور الذي يهتدي به الضالون، حينما بدأت شرارة هذا الطوفان ، شعرنا وكأن أبطال غزة يكتبون لنا فصولًا جديدة من الكرامة؛ كأنهم يخوضون المعركة نيابةً عنا، عن كل من آلمهم الظلم ولم يستطيعوا الوقوف أمامه.
يا لهذا اليوم الذي دوّى فيه صدى النصر في كل زوايا غزة، كأنّ الأرض قد استيقظت فجأة على وقع أقدام المجاهدين وهم يتقدمون بلا خوف، بلا تردد، إنهم يعرفون أنَّ الموت في هذه اللحظة هو حياة، وأنَّ كل خطوة يخطونها تفتح بابًا جديدًا من أبواب الحرية في هذا اليوم، تجسد الحق في أجساد هؤلاء الأبطال، الذين تزينت قلوبهم بالإيمان، وأيديهم بالقوة، وأبصارهم بالأمل.
اليوم، بعد عام من تلك اللحظة التاريخية، ما زالوا يقاومون، يصنعون الصواريخ بأيديهم، يخترقون الأنظمة بعقولهم، ويتحدون الحصار بإرادتهم ، كل يوم في غزة هو ملحمة جديدة تكتب على جدران التاريخ، لتخبرنا أن الأرض لا تترك لأهل الباطل، وأن الحق، مهما تأخر، سينتصر في النهاية.

29