المطار الذي رأيتُ فيه الوطن يغادر...
في مساء البارحة، أخبرني ابن عمي أننا سنذهب إلى مطار حلب الدولي لنودّع أخاه، الذي جاء إلى البلاد في زيارة قصيرة وانقضت أيامها سريعاً، وحين سمعتُ الخبر أدركت أنني مقبل على تجربة لم أعهدها من قبل؛ فهذه أول مرة أدخل فيها المطار لا بصفة مسافر يترقب بوابة الرحيل، وإنما بصفة مودّع يقف في الجهة الأخرى من المشهد، يلوّح لمن يغادر ويعود هو إلى بيته محمّلاً بما تتركه المغادرة في قلب من بقي. تجهزنا عند أول المساء، وبعد أن ودّع المسافر أهله وأحبته، ركبنا السيارة وانطلقنا نحو حلب، وكانت المسافة تقارب مئة وثلاثين كيلومتراً، غير أن الطريق في تلك الليلة لم يكن طريقاً بين مدينتين بقدر ما كان امتداداً لذاكرة قديمة دارت بيننا الأحاديث، واستعادت الذاكرة شيئاً من أيام مضت قبل أن تتشظى الجهات بنا، فيمضي كل واحد منا إلى مكان لا يشبهه تماماً، ولا يمنحه ذلك الشعور العميق بأن الأرض تحته امتداد طبيعي لروحه. تحدثنا عن أشياء صغيرة من الماضي، وعن وجوه غابت، وأيام كان المرء يظنها عابرة فإذا بها بعد سنوات تصبح من أثمن ما يملك، وعن ذلك الزمن الذي كان فيه الاجتماع أمراً عادياً لا يحتاج إلى ترتيب مسبق ولا إلى رحلة طويلة ولا إلى وداع عند بوابة سفر.
وحين بلغنا حلب، دخلنا المطار، وبدأنا نسأل عن وجهة المسافر، نتنقل بين الإرشادات والبوابات حتى وصلنا إلى قاعة الانتظار. كان علينا أن ننتظر أكثر من نصف ساعة قبل أن يحين وقت دخوله إلى قاعة السفر، فقررنا البقاء إلى جواره حتى اللحظة الأخيرة. وهناك، في تلك القاعة التي تبدو للوهلة الأولى مكاناً عابراً لا أكثر، بدأت أرى شيئاً آخر تماماً؛ رأيت الوجه الحقيقي للرحيل، ذلك الوجه الذي لا يظهر في صور المطارات ولا في جداول الرحلات، ولا يعرفه المسافر إلا حين تصبح أمه واقفة أمامه، أو حين يكتشف أن يداً كانت تمسك بيده منذ طفولته ستضطر بعد دقائق إلى أن تتركها. رأيت وجوهاً شاحبة، وعيوناً أرهقها البكاء، وأناساً يحاولون أن يتحدثوا في أمور عادية، كأنهم يريدون أن يقنعوا أنفسهم بأن المسألة ليست أكثر من سفر، بينما كانت ملامحهم تفضح حقيقة أخرى: أن بعض الرحلات لا تبدأ من رغبة في الوصول، بل من عجز عن البقاء.
لفتت انتباهي أمٌّ بسيطة المظهر، ترتدي بنطالاً أزرق من الجينز تعلوه عباءة سوداء، وكانت تضم إلى صدرها ابناً تجاوز العشرينيات من عمره، ومع ذلك بدا في حضنها أصغر من عمره بكثير؛ كأن الأم، حين يقترب الفراق، تستعيد أبناءها إلى أعمارهم الأولى، فلا ترى في الشاب الذي أمامها الرجل الذي صار إليه، بل ترى ذلك الطفل الذي حملته يوماً بين ذراعيها وخافت عليه من برد العالم. كانت تبكي بكاءً لا يشبه البكاء الهادئ الذي تسقط فيه الدموع ثم يمسحها صاحبها خفية؛ كان بكاؤها أقرب إلى انهيار امرأة أرهقها العجز، حتى إنها لم تكن تستطيع الوقوف طويلاً، فتجلس أو تستند ثم تنهض لتعيد احتضان ابنها، كأنها تريد أن تؤخر لحظة لا تملك لها دفعاً. أما هو، فكان شاباً وسيماً، شعره أسود خفيف الالتفاف، يتدلى على جبهته في فوضى جميلة، وكانت الدموع قد شقت طريقها على وجهه حتى استقرت عند ذقنه، فلم يعد يخفي بكاءه ولم تعد لديه رغبة في أن يفعل؛ ففي بعض لحظات الفراق يصبح الكبرياء عبئاً زائداً، وتغدو الدموع اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.
كنت أنظر إليهما وأشعر بعجز غريب يطبق عليّ؛ تمنيت لو أستطيع أن أذهب إليهما، أن أضع يدي على كتف ذلك الشاب، أن أقول للأم شيئاً يخفف عنها وطأة هذه الساعة، لكن ماذا يمكن للمرء أن يقول لأم ترى ابنها يتهيأ للغيب؟ أي جملة تستطيع أن تردّ عن قلبها ذلك الخوف الذي لا اسم له؟ سمعتها تتمتم بين شهقاتها بدعاء على بشار الأسد، وتقول: «الله لا يوفقك، أنت السبب في تشريدنا، أنت السبب في هذا الوداع». بقيت عبارتها معلقة في أذني؛ لم أسمع فيها خطاباً سياسياً بقدر ما سمعت امرأة تبحث، وسط عجزها، عن اسم تلقي عليه ثقل سنوات من التشرد والافتراق، عن جهة تضع عندها وجعها الذي لم تجد له مكاناً آخر. وفي تلك اللحظة لم أعد أرى مطاراً ولا مسافرين؛ رأيت عائلات دفعتها سنوات الحرب والاقتلاع إلى أن يصبح الوداع طقساً متكرراً في حياتها، ورأيت أماً لا تملك سوى ذراعيها لتقول لابنها: ابقَ.
وقبل أن أستجمع شيئاً من ذلك المشهد، استوقفني مشهد آخر أشد وقعاً؛ فتاة في مطلع العشرينيات تقريباً، جاءت لتودّع خطيبها، وما إن اقتربت لحظة الرحيل حتى انهارت في بكاء يمزق القلب قبل أن يستدر الدمع في العين. كانت ترتدي تنورة طويلة تنتهي عند كاحليها، بلون أزرق فاتح يشبه صفاء السماء حين تخلو من الغيم، وفوقها قميص أبيض زاد ملامحها رقة، وفي يدها وردة حمراء بدت، وسط ذلك المشهد المثقل بالفراق، كأنها آخر ما بقي من لون في مكان أطفأت الأحزان معظم ألوانه. كان شعرها ينسدل على كتفها في هدوء، ثم ما يلبث أن يتقدم على وجهها كلما غلبتها العبرة، فتستتر خلفه للحظات، وكأنها لا تريد لدموعها أن تُرى، أو كأن الشعر نفسه صار لها ستارة صغيرة تختبئ وراءها من عين العالم. وكان في خديها امتلاء خفيف يزيد وجهها طفولة ودفئاً، حتى إن بكاءها لم ينتزع من ملامحها ذلك الصفاء، بل جعله أكثر هشاشة وإيلاماً؛ كانت كلما رفعت وجهها لتقول شيئاً لخطيبها بدت لي كأنها تحاول أن تستعيد ملامحها قبل أن يخذلها البكاء، ثم سرعان ما تنحني على نفسها، وتترك لشعرها أن يحجب وجهها من جديد.
كانت الوردة الحمراء في يدها تفصيلاً صغيراً، لكنه استقر في عيني طويلاً وردة واحدة في يد فتاة جاءت لتودّع الرجل الذي تحبه، كأنها لم تجد في تلك اللحظة ما تقوله سوى أن تحمل إليها شيئاً يشبه الحب في أبسط صوره، شيئاً يمكن أن يبقى في اليد حين لا يبقى للحضور سبيل. وكانت تضم الوردة أحياناً إلى صدرها، ثم تنظر إليه، ثم تترك دموعها تتقدم على الكلمات. وحين انهارت في بكائها قالت له: «كيف لك أن تذهب؟ ألم تحبني كما أحببتك؟» خرجت الجملة منها مثقلة بذلك النوع من الرجاء الذي لا ينتظر جواباً بقدر ما يحاول أن يؤخر الرحيل؛ وكأنها كانت تسأل لا لتعرف إن كان يحبها، وإنما لتستدعي الحب نفسه كي يمنع الرجل من الذهاب.
ظل المشهد أمامي لحظتها كصورة لا أعرف كيف يمكن للعين أن تنساها: فتاة بثوب السماء، وقميص أبيض، ووردة حمراء، وشعر ينسدل على وجهها كلما أرهقها البكاء، تقف أمام رجل يستعد للرحيل، وكأن الألوان الثلاثة التي أحاطت بها — زرقة السماء، وبياض القميص، وحمرة الوردة — كانت تختصر حكاية كاملة عن حب لم يجد لنفسه في تلك اللحظة سوى الدموع. شعرت أنني لا أشاهد وداع خطيبين فحسب، بل أشاهد قلباً يحاول أن يتمسك بقلب آخر في اللحظة التي تُنتزع فيها الأشياء من أيدينا قسراً.
ربما كان فراقها، على قسوته، أقل من أن يقارن بما يحمله ذلك الشاب من أسباب الرحيل، لكن القلب لا يعرف المقارنات حين يُصاب؛ كل إنسان يرى جرحه من الداخل أكبر من قدرة الآخرين على تقدير عمقه. وأنا الذي ذقت المنفى، أعرف شيئاً من ذلك الوجه الآخر للرحيل؛ أعرف كيف يمكن للإنسان أن يغادر المكان وهو لم يغادره في داخله، وكيف يحمل وطنه في ذاكرته أكثر مما يحمل ثيابه في حقيبته، وكيف يستطيع المرء أن يضحك في بلد بعيد بينما يموت في داخله شيء صغير كل يوم. المنفى ليس مسافة تقطعها الطائرة، ولا جواز سفر يختمه موظف عند بوابة؛ المنفى حالة يتعلم فيها الإنسان أن يعيش بجسد في مكان، وبروحه في مكان آخر، وأن يتعايش مع غياب أشياء لا يستطيع استبدالها.
في تلك القاعة شعرت أنني أشاهد فيلماً طويلاً لا يحمل عنواناً واحداً ربما «الرحيل»، وربما «النجاة»، وربما «الاقتلاع»، وربما كان اسمه ببساطة «الوطن». أناس يتهيأون للعبور، وأمهات يضممن أبناءهن كأنهن يحاولن إعادة الزمن إلى الوراء، وخطيبات يفاوضن اللحظة الأخيرة، وآباء يخفون ارتجاف أصواتهم كي لا يزيدوا أبناءهم ضعفاً، وشباب يحملون ما استطاعوا من وطنهم في حقائب لا تتسع في الحقيقة إلا للثياب وبعض الأشياء، بينما يبقى الوطن نفسه أثقل من أن تحمله الطائرات. كانت الوجوه، دون استثناء تقريباً، شاحبة، والعيون مثقلة بالماء، حتى خُيّل إليّ أن المطار كله لم يكن يستقبل مسافرين، بل يستقبل حكايات ناقصة، كل واحدة منها تترك وراءها قلباً لا يعرف كيف سيكمل الأيام بعد مغادرة صاحبه.
تمنيت في تلك اللحظة لو أنني لم آتِ، لو أنني لم أرَ ولم أسمع، لأن بعض المشاهد لا تمرّ بالعين ثم تنتهي؛ تستقر في مكان أعمق، وتظل تعود إليك كلما هدأ الليل. تمنيت لو أملك شيئاً أغيّر به وجوه هؤلاء المسافرين، أن أمسح عنهم ذلك الشحوب، وأن أعيد إلى عيونهم شيئاً من الطمأنينة، وأن أقول للأمهات إن أبناءهن سيعودون، وللخطيبات إن الفراق مؤقت، وللذين يحملون حقائبهم إن الوطن الذي يخرج من القلب لا تستطيع الطائرات أن تبعده. لكنني كنت أعرف في قرارة نفسي أنني لا أملك شيئاً من ذلك؛ ليس في يدي سوى أن أراقب، وأن أصمت، وأن أحمل المشهد معي.
وحين حان وقت الوداع، ودّعت ابن عمي، ورأيته يمضي نحو قاعة السفر حاملاً في حقائبه أشياءه وذكرياته وأيام الزيارة التي انقضت، بينما خرجت أنا من المطار خفيف اليدين، ثقيل القلب. في الطريق إلى البيت، لم أعد أتذكر كثيراً ما دار بيننا من أحاديث في طريق الذهاب؛ ظلت أمامي الأم وهي تضم ابنها، والفتاة بثوبها الأزرق ووردتها الحمراء، وشعرها الذي كانت تختبئ خلفه من دموعها، وهي تسأل خطيبها كيف يستطيع الرحيل، ووجوه أولئك الذين جلسوا في قاعة الانتظار كأنهم ينتظرون شيئاً لا يملكون القدرة على منعه.
خرجتُ من المطار وأنا أشعر أنني لم أودّع مسافراً فحسب؛ خرجتُ وأنا أحمل في داخلي شيئاً من أولئك الذين تركوا خلفهم أمهاتٍ ونساءً وبيوتاً، وشيئاً من وطنٍ ما زال، رغم كل ما مرّ به، يُقتطع من قلوب أبنائه قطعةً قطعة.
عدتُ إلى بيتي، وبقي المطار في داخلي.
حسام الدين
#مجتمع #أدب

5