بديع لسان العرب
ما أجمل لسان العرب:
أبلغ من وصف الأسد وأسهب في وصفه في قصيدة واحدة حسب رأيي هو الصعلوك الجاهلي بشر بن عوانة العبدي في قصيدة ملحمية يصف فيها معركته مع الأسد "ذادا"...
شخصية بِشر ذكرها بديع الزمان الهمذاني في "المقامة البِشرية" على قصر المقامة فإنها مقامة ماتعة بحقّ وأحداثها ملحميّة أنصحكم بقراءتها، كان الهمذاني أول من ذكر قصة بِشر بن عوانة ولم يسبقه إلى ذكرها -أقصد التوثيق- أحد، لذلك قد تكون شخصيته خيالية كما قد تكون حقيقيّة، ذلك أن الهمذاني معتاد على ابتكار شخصيات مقاماته بما يقتضيه الغرض الأدبي.
أضع القصيدة بين أيديكم، وأضيف بعض الصور في التعليقات تشرح صفات الأسد التي ذكرها وأبدع في تصوير تفاصيلها في القصيدة قبيل المعركة.
القصيدة:
أَفَاطِمُ لَوْ شَهِدْتِ بِبَطْنِ خَبْتٍ
وَقَدْ لاَقى الهِزَبْرُ أَخَاكِ بِشْرَا
إِذاً لَرَأَيْتِ لَيْثاً زَارَ لَيْثاً
هِزَبْــرَاً أَغْلَباُ لاقـى هِزَبْــرَا
تَبَهْنَسَ ثم أحجم عَنْهُ مُهْرِي
مُحَاذَرَةً، فَقُلْتُ: عُقِرْتَ مُهْرَا
أَنِلْ قَدَمَيَّ ظَهْرَ الأَرْضِ؛ إِنِّي
رَأَيْتُ الأَرْضَ أَثْبَتَ مِنْكَ ظَهْرَا
وَقُلْتُ لَهُ وَقَدْ أَبْدَى نِصالاَ
مُحَـدَّدَةً وَوَجْهــاً مُكْفَهِراًّ
يُكَفْكِفُ غِيلَةً إِحْدَى يَدَيْهِ
وَيَبْسُطُ للْوُثُوبِ عَليَّ أُخْرَى
يُدِلُّ بِمِخْلَبٍ وَبِحَدِّ نَابٍ
وَبِاللَّحَظاتِ تَحْسَبُهُنَّ جَمْرَا
وَفي يُمْنَايَ مَاضِي الحَدِّ أَبْقَى
بِمَضْرِبهِ قِراعُ المْوتِ أُثْرَا
أَلَمْ يَبْلُغْكَ مَا فَعَلَتْ ظُباهُ
بِكَاظِمَةٍ غَدَاةَ لَقِيتُ عَمْرَا
وَقَلْبِي مِثْلُ قَلْبِكَ لَيْسَ يَخْشَى
مُصَاوَلةً فَكَيفَ يَخَافُ ذَعْرَا
وَأَنْتَ تَرُومُ للأَشْبَالِ قُوتاً
وَأَطْلُبُ لابْنَةِ الأَعْمامِ مَهْرَا
فَفِيمَ تَسُومُ مِثْلي أَنْ يُوَلِّي
وَيَجْعَلَ في يَدَيْكَ النَّفْسَ قَسْرَا
نَصَحْتُكَ فَالْتَمِسْ يا لَيْثُ غَيْرِي
طَعَاماً؛ إِنَّ لَحْمِي كَانَ مُرَّا
فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّ الغِشَّ نُصْحِى
وَخالَفَنِي كَأَنِي قُلْتُ هُجْرَا
مَشَى وَمَشَيْتُ مِنْ أَسَدَيْنَ رَاما
مَرَاماً كانَ إِذْ طَلَباهُ وَعْرَا
هَزَزْتُ لَهُ الحُسَامَ فَخِلْتُ أَنِّي
سَلَلْتُ بِهِ لَدَى الظَّلْماءِ فَجْرَا
وَجُدْتُ لَهُ بِجَائِشَةٍ أَرَتْهُ
بِأَنْ كَذَبَتْهُ مَا مَنَّتْهُ غَدْرَا
وَأَطْلَقْتُ المَهَّنَد مِنْ يَمِيِني
فَقَدَّ لَهُ مِنَ الأَضْلاَعِ عَشْرَا
فَخَرَّ مُجَدَّلاً بِدَمٍ كَأنيَّ
هَدَمْتُ بِهِ بِناءً مُشْمَخِرا
وَقُلْتُ لَهُ: يَعِزُّ عَلَّي أَنِّي
قَتَلْتُ مُنَاسِبي جَلَداً وَفَخْرَا
وَلَكِنْ رُمْتَ شَيْئاً لمْ يَرُمْهُ
سِوَاكَ، فَلمْ أُطِقْ يالَيْثُ صَبْرَا
تُحاوِلُ أَنْ تُعَلِّمنِي فِرَاراً!
لَعَمْرُ أَبِيكَ قَدْ حَاوَلْتَ نُكْرَا
فَلاَ تَجْزَعْ؛ فَقَدْ لاقَيْتَ حُرًّا
يُحَاذِرُ أَنْ يُعَابَ؛ فَمُتَّ حُرَّا
فَإِنْ تَكُ قَدْ قُتِلْتَ فَليْسَ عَاراً
فَقَدْ لاَقَيْتَ ذا طَرَفَيْنِ حُرَّا
ثمّ يأتي بعض الحداثيّين بوصفٍ مبهمٍ وكلمات غير مترابطة ليقول لك: "المعنى في بطن الشّاعر"... يا أخي الشاعر العربي الأصيل كان يأتي بالمعنى من فم الأسد وبالوصف بأفضل مما تشاهده أنت عيانًا كما ترى، وما كنت لتصف عشر ما وصف في معركته وأنت تشاهد الأشرطة الوثائقية بالتّصوير البطيء من وراء الشاشة وتراقب حياة الأسود في البريّة مطمئنًّا بكلّ تفاصيلها... هكذا كان الشّعر وهكذا تكون البلاغة.
