"تجارة لا تبور"
من أوراق الليلة.. حكايات من التراث العربي
يحُكى أن تاجراً مشهوراً بالفطنة والمال في إحدى حواضر العرب، أحسّ بضيق في صدره وثقل في أيامه، ففكر أن يختبر عقول أبنائه الثلاثة ليعلم أيهم أقدر على حمل الأمانة من بعده. فجمعهم ووضع بين أيديهم كيسين من الذهب الخالص، وقال لكل واحد منهم: "يا أبنائي، إن الذهب يزول، وإن المال الحقيقي هو ما يزرعه الإنسان في قلوب الرجال وفي ذكره الطيب".
أما الابن الأكبر، فذهب بماله إلى السوق، فاشتري به عقاراً فخماً وظن أنه قد ملك الدنيا. وأما الابن الأوسط، فأنفق ماله في مظاهر البهرجة والمتاع الزائل ليتفاخر به أمام أقرانه. وأما الابن الأصغر، فكان أعمق نظراً وأحسدهم قلباً؛ فأخذ نصيبه وقصد به أصحاب الحاجات والفقراء، وقرّى الضيف، وفكّ كرب المكروبين، وأعان كل محتاج حتى لم يترك من الذهب درهماً واحداً، لكنه ملأ القلوب محبةً والبلدة ثناءً.
وبعد عامين، دارت الدائرة على التاجر، ففقد تجارته، وأحرقت النكبات أمواله، وصار عليلاً فقيراً لا يجد ما يسد به رمقه، فخالتْه الزوجة وتخلّى عنه الأصحاب، وجفاهم الابنان الأكبر والأوسط خوفاً من الغرم وتحبيذاً للمال.
فلم يبقَ للشيخ سوى الابن الأصغر الذي أخذ أباه إلى بيته، وبذل له من رعاية وعناية ما جعل العيون تدمع إجلالاً. وفي مجلس عام، وقف الناس يذكرون صنيع الابن الأصغر، ويتهافتون على رد الجميل لأبيه، قائلين: "هذا جزاء من زرع المعروف في أهله".
الحكمة:
المال ظل زائل، والجاه ومظاهر الدنيا متاع فاقد, وما يزرعه الإنسان من معروف وطيب أثر في وجدان الناس هو الرصيد الوحيد الذي لا ينفد، وهو السند الحق حين تشتد النوائب وتدار بغيرنا الدوائر.
#نوري_أفندي #أوراق_الليلة #حكايات_من_التراث_العربي #مجتمع #أدب

9 مشاهدة