إلى التي أربكت يقيني
إلى التي أربكت يقيني
إلى إحداهن وهي ترفل في التيه والدلال، وتتثنى في مشيتها كما يتثنى غصن البان حين تعبث به الريح، وتتمايس كأنها لا تمشي على الأرض، بل تجعل الأرض هي التي تمشي تحت قدميها...
بعض اللقاءات لا تُقاس بالدقائق التي عبرت، وإنما بالمسافة التي قطعتها في الروح.
قد تجلس أمام إنسان دقائق، ثم تكتشف بعد رحيله أنه أقام فيك أعواماً، وقد تعبرك وجوه كثيرة دون أن تترك خلفها سوى ملامح عابرة، ثم تأتي واحدةٌ لا تدري من أين جاءت، فتدخل القلب كما يدخل الضوء من نافذة ظلت مغلقة طويلاً.
وأنتِ كنتِ من ذلك النوع الذي لا يُقاس حضوره بالوقت، حين وقفتِ أمامي، شعرتُ أن المكان نفسه قد انتبه إليكِ.
كأن الضجيج خفَت فجأة، وكأن المقاعد والطرقات والوجوه المحيطة بنا اتفقت جميعاً على أن تمنحكِ لحظتك كاملة، لم تكوني بحاجة إلى أن تفعلي شيئاً لتلفتي الانتباه؛ كان حضوركِ وحده كافياً.
فيكِ شيء عصيّ على التعريف،رقةٌ لا تلغي الهيبة، ودلالٌ لا يفسد الوقار، وشهامةٌ تختبئ خلف أنوثة طاغية. أما عيناكِ... فحكاية أخرى
عيناكِ لا تنظران، بل تُرسلان رسائل لا أعرف كيف تصل إلى القلب قبل أن تمر بالعقل.
لا أدري كيف استطاعت أن تجعل رجلاً مثلي يعيد النظر في كل ما كان يظنه عن نفسه
كنتُ أتهيب نظرة النساء، لا خوفاً منهن، وإنما خوفاً من ذلك الضعف الغامض الذي قد تتركه نظرة واحدة في رجلٍ قضى عمره يتعلم كيف يخفي ارتباكه.
كنتُ كراهبٍ نذر نفسه للعزلة، لا يعرف عن النساء إلا ما قرأه الشعراء، وكالصبار في صحراء بعيدة؛ وحيداً، صلباً، مكتفياً بقليل الماء وكثير الصبر.
ثم حضرتِ...
فإذا بالصخرة تنبض، وإذا بالحصون التي شيدتها حول قلبي طوال أعوام تتهاوى في لحظة واحدة، لا بصوتٍ مدوٍّ، وإنما بذلك الهدوء الذي يشبه مرور النسمة على وترٍ حساس؛ لا تُرى، لكنها تغيّر النغمة كلها، لم أعرف كيف حدث الأمر.
كل ما أعرفه أنني، قبل أن ألتقي عينيكِ، كنتُ شخصاً آخر، وبعد أن التقيتهما، لم أعد أعرفني.
ابتسامتكِ كانت أولى الخيبات الجميلة التي أصابتني.
تلك الابتسامة التي تفتر عن ثغر ناصع البياض،
كأنها تنفض الغبار عن الأشياء، وتعيد للضوء معناه، وتفتح في الروح نافذةً لم أكن أعرف أنها موجودة.
ثم تحدثتِ...
وهنا وقعتُ في الورطة كاملة،كان حديثكِ شيئاً آخر.
لم تكن كلماتكِ كلماتٍ تُقال، بل كانت تمضي في داخلي كما تمضي حبات الندى على زهرة يانعة؛ برفق، لكن بأثر لا يمكن تجاهله.
كنتِ تتحدثين، وأنا لا أدري أكنتُ أستمع إلى الكلام أم إلى الطريقة التي يخرج بها الكلام منكِ، في صوتكِ شجنٌ متفرد، شيءٌ يجعل العندليب نفسه يعيد حساباته قبل أن يغني وكنتِ تهمسين أحياناً، فيتحول الهمس إلى اعترافٍ لا أعرف ما هو، ولا أريد أن أعرف.
يكفيني أنه كان يصل إليّ.
أما ذلك الحياء الذي يمر على وجهكِ...
فيا لله!
كيف يمكن لشيء بهذه البساطة أن يكون بهذه الفتنة؟ يتغير لون خديكِ قليلاً، فيغدو وجهكِ أكثر تورداً، وكأن الحياء نفسه اختار أن يتعلم منكِ كيف يكون جميلاً.
كنتُ أراقب التفاصيل التي لا يلتفت إليها أحد، إيماءة يد، نظرة خاطفة، ابتسامة تتشكل ثم تتراجع.
خجلٌ صغير يمر على ملامحكِ ثم يختفي.
وكنتُ أكتشف، في كل مرة، أن الجمال ليس في الأشياء التي نراها، وإنما في الطريقة التي تجعلنا بها نراها.
الفلاسفة سيقفون أمامكِ طويلاً ثم يختلفون، والأدباء سيكتبون عنكِ حتى تنفد استعاراتهم ، والرسامون سيترددون قبل أن يرفعوا أقلامهم، خوفاً من أن تخونهم مخيلتهم فينقصون منكِ شيئاً.
ولستُ أبالغ، أنا الذي كنتُ أخشى أن أطيل النظر إلى امرأة جميلة حتى لا تسلبني شيئاً من اتزاني، وجدتني أمامكِ أتنازل عن اتزاني طائعاً، وأمد يدي إلى قلبي كمن يقول للفاتنة:
خذي... فقد عجزتُ عن حراسته، ولم أعد أخشى أن أكون القتيل، فالقتيل الذي يختار قاتله لا يحق له أن يشتكي.
أنا قتيلكِ إذن...ولا أخشى البلل.
طارت بكِ روحي قبل أن أستأذنها، وتحرك قلبي كأنه تذكر فجأة أنه ما زال حياً، وتسارعت دقاته حتى خُيّل إليّ أنها ساعة رملية انقلبت دفعة واحدة، فتساقطت حبات الوقت في داخلي بلا حساب.
وفي لحظة واحدة، اكتست دواخلي بالفرح.
كحديقةٍ أنهكها صيف طويل، ثم جاءها الربيع فجأة،كل شيءٍ في داخلي أزهر.
حتى الأشياء التي كنت أظنها ماتت منذ زمن.
ولكِ قدرة غريبة على جذب الأشياء نحوكِ؛ قدرة لو عرضناها على الفيزياء لعجزت عن تفسيرها، ولاضطر العلماء إلى اختراع قانون جديد يسمونه: قانون الفاتنات اللاتي لا تنطبق عليهن القوانين.
أما أنا...
فقد كنتُ تجربتكِ الأسهل.
جئتِ، فاختلَّت المعادلة.
نظرتِ، فسقطت القوانين.
ابتسمتِ، فانهارت المقاومة.
وتحدثتِ...
فاستسلم القلب.
والآن، وبعد أن غادرتِ، بدأتُ أفهم المصيبة الحقيقية.
ليست المصيبة أنكِ كنتِ جميلة.
الجمال وحده لا يفعل كل هذا.
المصيبة أنكِ تركتِ وراءكِ نسخةً مني لا أعرف كيف أعيدها إلى مكانها.

5 مشاهدة