بين الجمود العقلاني و الذكاء العاطفي
لطالما كان لي مع "تأثير الكلمة" صولات وجولات حقيقية غيّرت مجرى شخصيتي.
في البداية، كنتُ أُصنّف نفسي كشخصية حادة وعقلانية صارمة، حتى أن الكلمات الأكثر تداولاً من حولي لوصفي كانت: "باردة، قاسية، عديمة الإحساس، أو أشبه بالروبوت". كنتُ أتوهم أن هذا الجفاف هو عين الصواب، مدفوعةً بمنطقية واقعية بحتة أواجه بها كل الظروف. كنت أرى المشاعر عبئاً لا داعي له، وأن غيابها أفضل بكثير من حضورها الذي يجلب المشاكل.
شاء الله أن يتقاطع طريقي مع صديقات يمثلنَ النقيض التام لشخصيتي؛ كنا كالأضداد التي تتجاذب. ومع الوقت، بدأنا نتبادل الطباع والتأثير، لتنبت أولى بوادر اللطف على القشرة الخارجية لشخصيتي الصارمة.
بالتوازي مع ذلك، قادني النهم بالقراءة والاطلاع على آليات التعامل مع العواطف إلى بناء وعي حقيقي تجاه نفسي. بدأتُ أراقب أسلوبي بعين فاحصة، واكتشفتُ أنني كنت متطرفة في عقلانيتي، بل وكنتُ أخلط في كثير من الأحيان بين "الصراحة" و"الوقاحة".
دفعتني هذه المراجعة الذاتية إلى العمل بجدية على تطوير مهاراتي الناعمة (Soft Skills)، وتحديداً الذكاء العاطفي ومهارات التواصل. كان لهذا الاستثمار أثر فارق في تكويني، حيث تدرجتُ في التطور حتى بدأتُ أرى في "المدح والثناء" لفتة إنسانية جميلة، بعد أن كنتُ أعتبره مجرد مجاملات فارغة ومبتذلة. أصبحتُ قادرة على تقبّل الإطراء، بل وامتلاك الشجاعة لقوله للآخرين.
أتذكر موقفاً زارتنا فيه خالتي، وفور سلامها عليّ وجّهت لي كلمة طيبة للغاية. في الماضي، كنت سأمررها كعبارة عابرة، لكن في تلك اللحظة، لامست قلبي وأسعدتني طوال اليوم. هنا وقفتُ مع نفسي وقفة صدق: إذا كان للكلمة الطيبة هذا الأثر الهائل في نفسي، فلماذا أبخل بها على الآخرين؟ وفي المقابل، لماذا لا أتردد أحياناً في توجيه الكلمات الجارحة؟
أدركتُ حينها أن للكلمة قوة هائلة؛ فبكلمة واحدة يمكننا بناء سعادة إنسان، وبلفظ آخر قد نهدمها.
بناءً على هذا الوعي، قطعتُ وعداً على نفسي: أن أقتنص كل فرصة لقول شيء لطيف ويبعث على السعادة، وأن أكتفي بالصمت تماماً كلما راودتني رغبة في قول ما هو غير ذلك. وهو وعدٌ أحاول التمسك به والالتزام به بكل ما أوتيت من قوة.
#مجتمع #الثقافة #وعي

9 مشاهدة