تردد خارج الزمن
كانت فكرة أن يضعك القدر مراقباً في امتحان بمدرسة للموهوبين فكرةً مربكة، بل مخيفة هكذا تخيلتها منذ اللحظة الأولى، وأنا أستبق الحدث بسيناريوهات لا تنتهي عن كيفية التعامل مع أولئك الأطفال النابغين، المختلفين عن سواهم تساءلت: هل يقتصر دوري على مراقبتهم صامتاً، أتأمل طريقتهم في الإجابة وأسلوبهم في التفكير؟
خفّف مدير المدرسة وكبير المراقبين من وطأة القلق حين أكّدا أن المهمة في غاية السهولة، لا تتعدى دقائق انتظار عابرة؛ فهم أذكياء إلى حد أنهم لن يحتاجوا كامل الزمن، بل سيشرعون في تسليم أوراقهم بمجرد الإعلان عن انقضاء نصف الوقت، وقد أتموا الإجابة بدقة متناهية ومع ذلك كان ثمة شعور خفي يترصدني، إحساس مريب يختبئ خلف هدوء الكلمات، رعشة خفيفة سرت في جسدي وأنا أعبر الحجرة مترقباً قدومهم ، طردت الأفكار المتسللة إلى رأسي، وأقنعت نفسي أن الأمر لا يعدو أكثر من انتظار رتيب لاستلام الأوراق.
دخل التلاميذ يحملون ابتسامات وضيئة ونظرات مشبعة بالثقة، في أعينهم لمحت ملامح علماء وأطباء وقادة مستقبل، لا مجرد أطفال صغار، دوّى الجرس وحانت ساعة البدء، تسلّم كل واحد ورقته، وانطلقت الأقلام تنطق فوق البياض، تحوّل اللون الأبيض إلى أزرق متلألئ ينبض بالحياة، هناك بدأت معاناتي
وقفت في آخر الحجرة أراقبهم وهم غارقون في أوراقهم، حين تسللت إلى أذني همهمة غريبة بعيدة غير مفهومة، كانت أشبه بذَبذبات مشوشة، أو صوت راديو ضعيف يحاول التقاط تردد ناءٍ، حسبتُ أن أحدهم يهمس لآخر، لكن العجب أنهم كانوا جميعاً صامتين ، تحركت نحوهم، فاختفى الصوت، لم أرَ سوى رؤوس منحنية وصمت مطبق، ما إن عدت إلى مكاني حتى عاد ذلك الصوت الغريب، يزعجني ويقلقني ، بين تقدمي نحوهم وعودتي، كانت هناك نقطة في منتصف الحجرة تماماً، ألتقط عندها نبرة صوت أوضح توقفت هناك أحاول ضبط هذا التردد الداخلي، كمن يبحث عن رقم مفقود بين آلاف العمليات الحسابية لفتح خزنة عملاقة.
وبعد جهد مضنٍ… التقطته سمعتهم بوضوح يتحدثون، كانوا يتناقشون حول سؤال ورد في الامتحان، كل واحد يستعرض إجابته عن السحابة الإلكترونية وطرق الاستفادة منها وتطويرها، وكأنهم في مؤتمر علمي مصغر، اتسعت عيناي دهشة، وجنّ جنوني، كيف يحدث هذا؟ كانوا يناقشون الأسئلة واحداً تلو الآخر، يشرحون ويحللون، يقارنون بين الشبكة النجمية والشبكة الشبكية بعلم وإتقان يليق بالعلماء، بينما أعجز أنا عن استيعاب كل ما يقولون كنت أسمعهم… دون أن يتحدثوا.
تقدمت نحوهم محاولاً ضبطهم متلبسين، لكنهم ظلوا منكبين على أوراقهم، لا يخرج منهم أدنى صوت، رفع أحدهم رأسه ونظر إليّ باستغراب صامت، كأنه يتساءل عما بي، اعتذرت له بنظرة وعدت أراقب الآخرين، بينما استمر حديثهم الخفي، ينساب في رأسي وحدي، اشتد الأمر عليّ حتى كاد عقلي ينفجر، لم أعد أحتمل صرخت فيهم بأعلى صوتي: كفى… كفى!
لم أنطق حرفاً، ولم تتحرك شفتاي، ومع ذلك التفتوا إليّ جميعاً في لحظة واحدة، والدهشة ترتسم على وجوههم كما على وجهي، صمت ذلك الصوت فجأة، وتوقفت نقاشاتهم في آن واحد،تبادلوا النظرات في خوف وحيرة، سمعت أحدهم يقول: هل تراه قد سمعنا فعلاً؟ ورد آخر: تراهات… كيف له ذلك؟ قال ثالث، متردداً: لكننا سمعنا صوتاً يأمرنا بالصمت… فمن يكون إن لم يكن هو؟ وتدخل رابع متجاهلاً الذعر: دعونا من هذا، وأخبروني ما أحدث وأهم وسائل التواصل في النظام الإلكتروني؟
حينها أوشكت على الجنون، أخبرتهم أن يهتموا بامتحانهم وأن الزمن يمضي، وألا يعيروني اهتماماً لكن رأسي كان يعج بالأسئلة كيف سمعتهم؟ ولماذا أنا وحدي؟ تراكمت الأفكار تضاربت، حتى دار بي المكان وسقطت مغشياً عليّ.
استفقت على سرير المستشفى، الضوء الأبيض يلسع عيني، وأصوات بعيدة تطمئنني بأنني بخير، قالوا إن ما حدث لا يعدو إرهاقاً وإغماءً عابراً، هززت رأسي موافقاً ، لكن شيئاً في داخلي كان يعرف أنهم مخطئون عاد الصوت، أوضح من أي وقت مضى قال لي: لا تحاول الفهم الآن… أنت فقط التقطت التردد. وغداً ستسمع أكثر.
8 مشاهدة