
مقال دقيقتان للقراءة
في نقد القبلية والعصبية
حين يصبح الانتماء بديلًا عن الإنجاز، تتحول الهوية من مصدر اعتزاز إلى وسيلة لتعويض الفراغ الفردي. فالقبيلة التي وُلدنا فيها ليست إنجازًا شخصيًا؛ القيمة الحقيقية فيما نصنعه نحن، لا فيما صنعه أسلافنا
عواليق الهوية
حين يعجز الإنسان عن بناء قيمة حقيقية لذاته، أو يفشل في العثور على معنى يستند إليه، قد يبحث عن قيمة جاهزة داخل الجماعة. عندها تتحول الهوية من انتماء طبيعي إلى ملجأ نفسي، ومن رابطة اجتماعية إلى وسيلة لتعويض الشعور بالنقص أو الفراغ.
المشكلة ليست في الهوية نفسها، ولا في الاعتزاز بالانتماء؛ فالإنسان ابن ثقافة ومجتمع وتاريخ. المشكلة تبدأ حين يصبح الانتماء بديلًا عن الإنجاز، وحين يفاخر الإنسان بما وُلد فيه أكثر مما يفاخر بما صنعه بيده.
وهنا تكتسب ملاحظة آرثر شوبنهاور عن الفخر القومي معناها؛ إذ رأى، في معنى كلامه، أن من لا يجد في صفاته وإنجازاته الفردية ما يفتخر به، قد يلجأ إلى الافتخار بالجماعة التي ينتمي إليها. والمقصود ليس إدانة الانتماء، بل نقد استخدامه تعويضًا عن غياب القيمة الفردية.
وهذا ما نراه أحيانًا في الخطاب القبلي: قد لا يسألك أحد ماذا درست، أو ماذا أنجزت، أو ماذا قدّمت لمجتمعك، لكنه يحدثك طويلًا عن قبيلته، وأمجاد أجداده، وعدد رجالاتها ومكانتها، وكأن إنجازات الموتى تُضاف تلقائيًا إلى السيرة الذاتية للأحياء.
هنا تتحول القبيلة من ذاكرة اجتماعية وروابط قربى وتكافل، وهي أمور طبيعية ومفهومة، إلى رصيد شخصي وهمي: يستعير الفرد قيمة الجماعة بدل أن يبني قيمته بنفسه.
وتزداد المشكلة خطورة حين تنتقل هذه العقلية إلى السياسة. فلا تعود المنافسة حول الأفكار والمشاريع والكفاءة، بل حول الأسماء والرموز والصور والانتماءات. ويصبح السؤال: «من أي جماعة هو؟» أهم من: «ماذا يستطيع أن يفعل؟».
وهنا يمكن استحضار نقد غي ديبور لـ«مجتمع الفرجة»: حين تتقدم الصورة والتمثيلات على الواقع، ويصبح الاستعراض أكثر حضورًا من الفعل نفسه. وفي حالتنا، قد يصبح استعراض الهوية أهم من الكفاءة، واستحضار التاريخ أسهل من صناعة الحاضر.
ليست أزمتنا في تعدد الهويات؛ فالتنوع حقيقة اجتماعية، ويمكن أن يكون مصدر ثراء وقوة. الأزمة تبدأ عندما تتحول الهوية إلى حصن ضد النقد، أو إلى بطاقة استحقاق، أو إلى وسيلة للحصول على شرعية لم يصنعها العمل والكفاءة.
وحين تعجز بعض النخب عن تقديم مشروع، يصبح استدعاء العصبية أسهل من بناء المؤسسات. وحين تغيب الإجابات عن أسئلة الحاضر، يصبح الاحتماء بأمجاد الأسلاف أكثر راحة من صناعة إنجاز جديد.
لذلك، قبل أن تخبرني من أي قبيلة أنت، ومن كان أجدادك، ومن أين جاء قومك، هناك أسئلة أبسط وأهم: ماذا صنعت أنت؟ ماذا أضفت؟ وماذا تستطيع أن تبني؟
فالإنسان لا فضل له في القبيلة التي وُلد فيها، لكنه مسؤول عن الإنسان الذي اختار أن يكونه.
أما الهوية التي لا تجد ما يسندها سوى الصراخ في وجه الآخرين، فهي في الغالب أضعف مما تبدو.
#خربشات
