لماذا اعتبر سقراط أن التعرض للظلم أفضل بكثير من ارتكابه؟
لماذا اعتبر سقراط أن التعرض للظلم أفضل بكثير من ارتكابه؟
يقف العقل البشري، المحكوم بغرائز البقاء والمنفعة الذاتية، حائرا أمام الاختيار بين أن يكون مفعولا به للظلم أو فاعلا له. ففي الأعراف السياسية والاجتماعية القديمة والحديثة، يُنظر إلى القوة والقدرة على الغلبة كعلامات على النجاح، بينما يُعتبر الخضوع للظلم دليلا على الضعف والمهانة. وتقدم فلسفة سقراط جوابا مغايرا لهذا التصور، إذ تقرر قاعدة أخلاقية مفادها: "إن ارتكاب الجور أسوأ من التعرض له، ومن المستحيل أن يكون الإنسان سعيدا إذا كان يعيش في الشر والظلم".
يرتبط فهم هذه المفارقة بالتصور الجديد الذي طرحه الفيلسوف لمفهوم "الذات". يرى سقراط أن حقيقة الإنسان تكمن في "النفس" أو الروح، أما الجسد والثروة والمكانة الاجتماعية فأمور خارجية. وبناء على هذا التقسيم، تصبح الأمور الخارجية، كالمجد والمال، عابرة ولا تمس جوهر الإنسان. والظالم، حين يسلب الآخرين ممتلكاتهم أو يؤذي أجسادهم، يلحق الضرر بنفسه في الوقت ذاته، لأن ارتكاب الرذيلة يُمرض روحه ويفسدها.
في محاورة "جورجياس" التي يوثق فيها أفلاطون مواجهات سقراط، يعارض السفسطائيون أمثال بولوس وكاليكليس الموقف السقراطي. ينطلق هؤلاء من مرجعية "قانون الطبيعة"، معتبرين أن السعادة تكمن في تلبية الرغبات بلا حدود، وأن للقوي حقا طبيعيا في التعدي على الضعيف. ويمثل الرجل الذي يملك السلطة لارتكاب الظلم دون عقاب نموذج السعادة والنجاح عندهم. ويرد سقراط بإعادة تعريف الضرر، فيؤكد أن فساد الروح أسوأ ما يصيب الإنسان، وأنه أشد من فقدان الحياة. ولذلك يعلن أن "رجلا خيرا لا يمكن أن يناله أذى، وأن الآلهة ستظل تهتم بقدره"، لأن الضرر الوحيد هو فقدان الفضيلة.
وتمتد هذه القاعدة إلى فكرة الانتقام، إذ يرفض سقراط مبدأ المعاملة بالمثل في الإساءة. ففي محاورة "كريتون" يرسخ المبدأ القائل بأنه "لا يجب الرد على الجور بالجور، وألا نفعل الشر للآخر، ولا حتى لمن اقترف الشر معنا". وحتى إن كان الفرد ضحية لظلم بين، فإن رده بالظلم يجعله شريكا في إفساد نفسه.
يمنح هذا الالتزام بالفضيلة الفلسفة السقراطية طابع الحماية الأخلاقية للإنسان. فالشرير لا يستطيع سلب الحكيم فضيلته، وغاية ما يبلغه إيذاء الجسد أو مصادرة الممتلكات. وبهذا ينتقل موضع الرهان عند سقراط من العالم الخارجي المتقلب إلى النفس، حيث يقرر الإنسان وحده أن يحافظ على نزاهته أو يفرط فيها.
#فلسفة #الأخلاق #العدالة
#سالم_المعرفة
#مجتمع

33