من أوراق الليلة.. حكايات من التراث العربي صانع اللؤلؤ والثوب الممزق
يحُكى أن صياد لؤلؤ ماهرًا في إحدى سواحل العرب، قضى عمره يغوص في أعماق البحار ليستخرج أجمل الدرر واللآلئ للناس، فكان يبيعها بأثمان بخسة ليرضي الزبائن، بينما يرتدي هو ثوبًا رثًّا مزقته أطراف الصخور، ويقضي ليله في كوخ متواضع يصارع البرد والفقر.
وذات يوم، مرّ به تاجر ثري من أصحاب الأموال، فرأى اللآلئ التي بين يديه فاستهزأ به وقال له: "يا هذا، إنك تملك ما يشتري القصور والبلدان، فكيف ترتدي هذه الممزقات وترضى بهذا العيش الضنك؟ ألا جمعت لنفسك من هذا المال ما يغنيك؟".
فابتسم الصياد ابتسامة هادئة، ورفع رأسه إلى السماء، ثم قال بهدوء الحكماء: "يا هذا، إن ما أجمعه في أعماق البحر وبيته للناس ليس بمال زائل، بل هو أمانة الصنعة وحب الخير للآخرين؛ فأما المال إن جمعته لنفسي لأفنيته في حب الدنيا، وأما ما أزرعه في قلوب من ألقاهم بصدق يدي ونقاء عملي فهو الباقي الذي لا يموت".
ومرت الأيام، واقتربت عاصفة هوجاء من المدينة فأحرقت أسواق التاجر وثروته، وضاقت به الدنيا حتى تخلّى عنه الجميع ولم يجد مأوى ولا درهماً، فشاءت الأقدار أن يلجأ إلى كوخ الصياد الفقير. فلما رآه الصياد، استقبله بحرارة، وآثره على نفسه، وأطعمه من طعامه القليل، وسقاه من ماء بيته، دون أن يمنّ عليه أو يتذكر سخرية الأمس.
فبكى التاجر ندماً وقال: "كنتُ أظن أن الغنى في وفرة المال وكنوزه، وها أنا أرى أن الغنى الحقيقي هو ما تملكه في قلبك من إنسانية وفضل".
الحكمة:
ليست القيمة بما نملكه من حطام الدنيا وزخرفها، بل بما نقدمه للناس من أثر طيب ويد بيضاء؛ فالمال يعقب الزوال، وأما المعروف فهو الكنز الذي لا يبور، وهو الملاذ الآمن حين تستدير بغيرنا الدوائر.
#نوري_أفندي #أوراق_الليلة #حكايات_من_التراث_العربي #مجتمع @المتابعون

1 مشاركة39 مشاهدة