قطار الضواحي
الثامنة صباحا بتوقيت مدينة الجزائر وضواحيها، أستعد لمغادرة البيت كالعادة، ملابس خفيفة مناسبة لحر جهنم، حقيبة ظهر فيها أشياء غير مهمة، وسماعات ضرورية لكتم صوت الشعب.
لا أملك سيارة لحسن الحظ، فأنا أعيش في مدينة يعد دخولها أو الخروج منها بالسيارة تحد مرهق للأعصاب ومضيعة للوقت. أنا أفضل " الرام" وهو قطار كهربائي صغير، مكيف، ولطيف، يتأخر عن موعده بعض الشيء لكنه يأتي دائما. وبطريقة ذكية حفظت مواقيت تأخره فصرت أصل متأخرا معه فلا أضطر للإنتظار.
المشكلة الوحيدة في وسيلة النقل هذه هي الزحام، في السابق كنت اتذمر والوم الشركة المسؤولة، والحكومة، والرئيس، كل صباح يدوس فيه أحدهم على حذائي الأبيض. لكن منذ أن شاهدت مقطع فيديو لميترو طوكيو، وكيف يتكدس الناس فيه كل صباح توقفت عن الإنتقاد و شراء الأحذية البيضاء.
داخل قطار الضواحي هذا ستجد جميع فئات الشعب باستثناء الطبقة الغنية طبعا، ومن يضطرون لاستعمال سياراتهم حتى لا يستعملها غيرهم .
العمال الكادحون، الموظفون المتذمرون، طلبة الجامعات، تلاميذ الثانويات، المتسولون، الباعة المتجولون، النشالون، المتحرشون، السياح، الخ.. ويمكنك تمييز هؤلاء جميعا مع الوقت والخبرة،
بالنسبة للتذاكر لا أحد يشتريها، ربما باستثناء الأجانب، فنحن الشعب نعتقد أن من حقنا في هذا البلد ركوب هذا القطار العمومي مجانا. والحكومة تتجاوب معنا، فلا وجود لمراقبي التذاكر في خطوط الضواحي هذه.
واذا ساعفك الحظ وعثرت على مقعد بطريقة ما فستتخلى عنه لا محالة لسيدة ما من باب اللباقة والأدب. وإذا كنت متعبا ولم تقف، فستراهن يرمقنك بنظرات تذمر و اشتهاء لمقعدك الثمين.
عن نفسي.. لا اقف لامرأة دون الأربعين الا في بعض الحالات الاستثنائية، كالازدحام الشديد لحماية مسكينة ما من متحرش محتمل..
أما نحن الرجال فلن يقف لنا أحد لنجلس حتى لو سقط أحدنا مغشيا عليه من التعب أو كان يحتضر، فلم يذكر في كتاب العادات الإجتماعية في بلدنا أن الرجال يحتاجون أيضا للجلوس في بعض الأحيان ..
يتبع.. #مجتمع #قارئ
33 مشاهدة