الدرة 💎 التاسعة عشرة
من كتاب "البصائر والذخائر" للتوحيدي:
حيث أورد في كتابه
"وإياك والمدافعة والوكال وحب الهوينا والاسترسال، وإيثار الخفض والدعة، والميل إلى الراحة والسعة، فإن خواتم هذه الخصال مذمومة، وعقباها كريهة وخيمة..."
في بعض المراحل لا يكون أكبر ما يعطل الإنسان عجزه...
بل تأجيله.
يعرف ما ينبغي أن يفعله لكنه يؤجله.
يرى الباب أمامه لكنه يقول: ليس الآن.
يعرف أن عليه أن يتحرك... لكنه يؤثر الدعة والراحة.
ثم تمضي الأيام...
ويصبح التأجيل عادة...
والراحة التي كانت استراحة عابرة تتحول إلى مقام دائم.
ولهذا يحذرنا التوحيدي من كلمات تبدو بسيطة:
المدافعة... والوكال... وحب الهوينا... والاسترسال.
كلها صور مختلفة لشيء واحد:
أن تعرف أن عليك أن تفعل شيئًا... ثم تسمح لنفسك بأن تتراجع خطوة بعد خطوة حتى لا تفعله.
والمشكلة أن التسويف لا يأتي دائمًا في صورة كسل واضح.
أحيانا يأتي في صورة تفكير زائد.
وأحيانا في صورة انتظار :الوقت المناسب".
وأحيانا في صورة البحث عن ضمانات لا يمكن للحياة أن تمنحها.
وأحيانا نقنع أنفسنا بأننا لا نرفض الطريق، وإنما ننتظر قليلا...
ثم يصبح القليل طويلا.
ولعل الإنسان لا يدرك قيمة الحركة إلا حين ينظر إلى الوراء، فيرى كم من الفرص كانت تحتاج فقط إلى خطوة.
وكم من الأمور التي بدت مستحيلة، كانت تحتاج إلى بداية.
وكم من الطرق التي حسبها مغلقة، لم يكن قد طرق أبوابها بما يكفي.
وفي حياة الناس والأمم مراحل تتغير فيها الأشياء بهدوء قبل أن تظهر نتائجها إلى العلن.
تتجمع أسباب.
وتتهيأ ظروف.
وتتحرك أمور في الخفاء.
ثم يأتي يوم يبدو فيه التغير مفاجئًا... مع أنه لم يكن مفاجئًا في الحقيقة... فقد سبقته خطوات كثيرة لم ينتبه إليها أحد.
وهنا تصبح الدرة أكثر من نص عن النشاط الشخصي:
لا تكن آخر من يتحرك لأنك كنت تنتظر أن ترى النتيجة أولا.
فالنتيجة كثيرا ما تكون ثمرة الحركة، وليست شرطا لها.
لا تحتاج أن ترى الطريق كله حتى تخطو خطوتك الأولى.
ولا تحتاج أن تعرف نهاية الحكاية حتى تؤدي دورك في فصلها الذي تعيشه الآن.
افعل ما تستطيع.
هيئ ما تستطيع.
أصلح ما تستطيع.
وتقدم بما تستطيع.
أما ما وراء استطاعتك، فليس مطلوبًا منك أن تحمله.
والفرق كبير بين أن تستريح لتستعيد قوتك، وبين أن تجعل الراحة أسلوب حياة.
الأولى حكمة.
والثانية قد تكون قيدًا ناعما لا نشعر به إلا بعد أن يطول بنا المقام.
لذلك كان تحذير التوحيدي شديدًا:
"وإياك والمدافعة..."
لا تؤجل ما تستطيع فعله اليوم بحجة أنك ستفعله غدًا.
فقد يأتي الغد... ولا تجد فيه إلا أثر ما أجلته بالأمس.
تحرك حين تستطيع...
وهيئ الأسباب حين تتهيأ...
ولا تنتظر دائمًا أن يصبح الطريق واضحًا كله قبل أن تمشي.
فبعض الطرق لا تكشف عن وجهتها...
إلا لمن بدأ السير.
#غواص_المعاني
أغوص في بحر القراءة... لأعود بدرة.💎
#مجتمع #مجتمع_القراء #مجتمع_عام #البصائر_والذخائر #أدب #قارئ #الغواص #لآلئ_اليوم

29 مشاهدة