ما بعد الصلصال
ظنًّا بأنّ الموت أوسع دارا
عاش الحياة يجرّب الأخطارا
كالنردشير حياته في كفّه
تخطي مرارا أو تصيب مرارا
خلع الهوى وأعدّ مائدة الرؤى
وأدار كأسًا للردى وسجارا
قد حِير عقل الموت، أية فكرةٍ
مجنونةٍ ملكت عليه خيارا؟
وبأيّ أجنحة الملائك سعيه
أو أيّ شيطانٍ به يتوارى؟
ما اعتاد هذا الموت لهفة مقبلٍ
إلّا استحى منه وهمّ فرارا
أنبيك يا شرّ الأمور عن الفتى
فاحفظ بَعُدْتَ وكتّم الأسرارا
رُبَمَا من الصلصال كان نشوءه
لكن بأوصافٍ تفوق النارا
لفّ الشريط القرمزيّ سماءه
وهمى على ألعابه الأخبارا
فتهاوت الغربان ترمق حلمه
متتابعاتٍ يمنةً ويسارا
وبراءة الأطفال ذاهلةً ترى
طورًا غريبًا يأكل الأطوارا
جثم الوجوم على طفولته التي
لم تختبر إلّا الدمى زوّارا
وتغوّلت جوَّ البراءة هالةٌ
من شؤمها خلت الأنام سكارى
أين المفرّ؟
المحنة الكبرى تحلّق فوقهم
والراشدون حيارى
فكأن غول الشرّ يحتلّ المدى
وكأن أعناق الرجال أسارى
في سمعه صبّ الزمان رطينه
قولًا غريبًا يشبه الأسحارا
وبهلوسات الثأر راود ليله
وفويقه سال النجيع نهارا
فتيقّظ الوعي المؤجّل مرغمًا
تسعى الحياة بأن نشيخ صغارا
ولأنّه في الأرض كان خليفةً
لله قدّ المستحيل إزارا
فتشبثت مدن الخراب بعظمه
وتحلّقت في معصميه سوارا
ثم استبدت هاجساً فوساوسًا
فحقيقةً ملكت نهىً وقرارا
ثم استعادت ثأرها في وعيه
وتلهبت في أصغريه أوارا
عيناه صارت للقبور نوافذا
وأديمه للنازحين دثارا
كفّاه مئذنتان يعرج منهما
كلُّ ابتهالٍ رتلوه سرارا
وبصدره التحم الركام،
فإن نوى نفسًا،
تبدى في الهواء غبارا
واسّاقطت منه الجوارح
لم يعد إلّا وعاءً باللظى موّارا
حتى استوى وطناً يزاحم بعضه بعضًا،
يجاهد أن يقرّ قرارا
يا موت خصمك أمةٌ مصهورةٌ
في جسم فردٍ جاوز الأقمارا
شتّى هي العثرات
لكن ما سرى في النفس
كان أشدّها استنكارا
والعار لا يخفى وإن واريته
وتيقننّ العار ينجب عارا
لكنّه الإيمان أن حياته
تمتدّ إن خاضت ذرًى وغمارا
وبأنّ هذي الروح تمشي سرمدا
إن قُسّمت بين الورى أفكارا
آزاد درويش