جسدُـ/ـها
الإستهلال: التخدير العضوي والذاكرة المُتآكلة
الرائحة في غرفة الفحص لم تكن رائحة اليود ولا المُطهرات البيضاء، بل رائحة لحمٍ يُشوى ببطءٍ على صفيحةٍ من الصدأ التحت-جلدي. على الجدار المقابل، كانت الساعة الحائطية تتحرك إلى الوراء، وكلما إرتدَّ العقرب ثانيةً إلى الأرجواني، كلما إنسلخ جزءٌ جديدٌ من الذاكرة وأختفى في هاوية القعرتحت المغسلة.
«إنها تتقشر، دكتورة...» قالت المرآة قبل أن تتكلم العصبيّة الجالسة في الكرسي الجلدي المُهترئ.
لم يكن هناك وجهٌ واضحٌ في العكس؛ بل مجرد خريطةٍ شمعيةٍ ذابت خطوطها الطولية والعرضية تحت تأثير جرعاتٍ وهميةٍ من الهالوبيريدول. الجسدُ لم يعد سوى وعاءٍ مسكونٍ بطفيلياتِ الصمت، أطرافه تتمدد في الممرات المعتمة كأنها جذورُ أشجارٍ ميتةٍ تبحث عن قطرةِ دمٍ فاقدةٍ للوعي.
الفصل الأول: تشريحُ الظل المبتور
في الساعات التي تسبق إنبلاج الفجر الرمادي، كانت الأطراف تنفصل عن المعصم بهدوءٍ تشريحيّ تام. لا نزيف، ولا صرخات؛ فقط صوتُ تمزق الألياف وكأنها أوراقُ برديٍ قديمةٍ تبللت بالصقيع السيبيري.
كانت تنظر إلى كفها الملقاة على الطاولة المُصفرة، وتلاحظ كيف أن الأصابع بدأت تتحول إلى مساميرَ حديديةٍ تصدأ بفعل الرطوبة المنبعثة من الضلوع.
«أنا لستُ هنا... أنا مجرد سُعالٍ طويلٍ خرج من حنجرة مريضٍ توفي في المصحة عام 1912، ونسي الطبيب إغلاق نافذة غرفته، فتسربتُ عبر الزجاج المكسور إلى داخل هذا المعطف الأسود.»
راحت تفتش في جيوب معطفها عن هويتها، فلم تجد سوى بطاقاتٍ ورقيةٍ مهترئةٍ كُتب عليها بخطٍّ مهتز: «ممنوعٌ على الجثث التنفس بصوتٍ عالٍ لئلا توقظ الحراس».
البردُ لم يكن قادماً من الخارج، بل كان يتصاعد من بئر السُّرة، صقيعاً أسودَ يتجمد فوقه غبار السنين، ورائحة قهوةٍ مُرةٍ ركدت في قاع الفنجان حتى تحولت إلى حبرٍ لزجٍ يكتب تقارير الوفاة الذاتية.
الفصل الثاني: الديزيليشن (إنفصال العالم عن قشرته)
الطرقات خارج نافذة العيادة لم تكن تؤدي إلى أي مكان؛ كانت امتداداً لانكساراتِ مرايا مكسورةٍ تتكسر تحت أقدام عابري سبيلٍ بدون رؤوس. السيارات تمر بصمتٍ أخرس، كأن عجلاتها تدور في الفراغ لا على الأسفلت.
جلست على حافة السرير الحديدي، تمرر أصابعها فوق شقوق جلدها وكأنها تقرأ كتاباً مقدساً مكتوباً بلغةِ الجنون الصرف. في كل شقٍّ، كان هناك مشهدٌ قديمٌ يتكرر كشريط سينمائيّ تالف:
صوتُ قطارٍ يبتعد في منتصف الليل حاملاً معه أطفالاً لم يُولَدوا قط.
ظلُّ أبٍ راحلٍ يلوح من خلف جدارٍ من الدخان.
صدى قهقهةٍ مجنونةٍ تتردد بين أروقة المستشفى النفسي القديم، حيث تُعلق الأرواح على المشابك لتجف من دنس الحياة.
«هل ترينني؟» سألت الطبيبَ الواقف خلف الزجاج المعتم، لكن الطبيب لم يكن سوى مجرد هيكلٍ عظميّ يرتدي معطفاً أبيضَ مُلطخاً ببقع القهوة القديمة والدم المجفف، يحرك قلمه على ورقٍ فارغٍ لا وجود له.
الفصل الثالث: المحطة الأخيرة (السقوط في بئر الوعي الخالص)
في اللحظة التي إنطفأ فيها المصباح الوحيد في السقف، بدأ الجسدُ يتلاشى تدريجياً، لا كإختفاء الأجسام، بل كذوبان السكر في فنجانِ حزنٍ أبديّ.
لم يبقَ من الحكاية سوى صدىً خافتٍ يتردد في زوايا الغرفة المُعتمة، ورعشةٌ أخيرةٌ سرت في عروق الظل حين أدركت أن الموت الحقيقي ليس توقف القلب، بل هو أن تظل حياً... بينما جسدكِ قد نسي تماماً كيف يكون بشرياً.
« ... وحين تكتمل الدائرة، يُغلق باب المصحة من الخارج، ولا يبقى في الداخل سوى صمتِ اللحظة وفراشاتِ مُحنطة وهي تحترق على شمعةِ العبث.»
#قارئ

10 مشاهدة