#بين_شهرة_الأرض_وشهرة_السماء
#بين_شهرة_الأرض_وشهرة_السماء
شاهدتُ برنامجا في (أبو ظبي جيوغرافيك) عن المشاهير عن مشاهير السينما والرياضة والسياسة وغيرهم، وكيف يجري الناس وراءهم من أجل أخذ صورا تذكارية، وكيف يتعامل معهم رجال الأمن، وعمال مختلف القطاعات، وكيف يصيبون من مختلف ملذات الدنيا كما يريدون وكلما يطلبون. وكيف ينخدع الناس بأصحاب السياسة منهم.
فقلتُ في نفسي : سبحان ربي، هؤلاء معروفون بين الناس في الدنيا، وهذا هو جزاؤهم عندهم، فكيف بمن يُعرَف عند أهل السماء بأعماله الخيرية، بإيمانه، بجهاده، بصلاته، بصيامه، بنشر دعوته، بعلمه، بمختلف أعماله الإيمانية...
كيف سيكون جزاؤه عند ربه؟
ولقد صارت الشهرة اليوم عند الكثير تقاس بمدى متابعة الناس لهم، فيقولون جمهور المغني الفلاني، ومحبي الممثل الفلاني ومتابعي المؤثر الفلاني وهكذا هي شهرة الشهوة الدنيوية. بل وجعلوا لمشاهير السينما في أمريكا ممرا مخصصا لهم ونجوم بأسمائهم.
الشهرة الحقيقية هي شهرة تكون عند الله هي شهرة تكون بين أهل السماء، أما هاته الشهرة الدنيوية فهي القاسمة المهلكة الفاتنة التي تورد صاحبها المهالك، إن لم تكن فيما يرضي الله كشهرة العلماء وأهل العلم والمجاهدين والحكام المسلمين العادلين العاملين، وغيرهم من أصحاب الخير...
كم من مشهور في الأرض لا وزن له عند الله، وكم من مجهول في الأرض مشهور في السماء بين أهلها.
ولقد كان أبو جهل وأمية بن خلف وأبو لهب عليهم لعنة الله مشهورين في قريش بل عند العرب قاطبة، ومع ذلك لا وزن لهم عند الله، بينما كان الكثير من العجم مجهولين بين قومهم ولهم وزن عظيم عند الله بجهادهم وصلاتهم وتقواهم.
عن حارثة بنِ وهب الخزاعي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلَّى اللهُ عليه وسلم يقول:
"ألا أخبركم بأهلِ الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار: كل عُتُلٍّ جوَّاظ مُستكبرٍ" رواه البخاري ومسلم
عن عمران بن الحصين رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اطَّلَعت في الجنة فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفقراءَ، واطَّلعتُ في النار فرأيتُ أكثرَ أهلها النِّساءَ» رواه البخاري ومسلم.
قال سليمانُ التَّيْميُّ: (كنّا إذا طلبنا عِلية أصحابِنا وجدناهم عند الفقراءِ والمساكينِ)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "رُبّ أَشعث أغبر، ذِي طِمرَين، تَنبُو عنه أعين الناسِ ، لو أقسم على اللهِ لأبرّه" الجامع الصغير (الصفحة أو الرقم : 4385)
جاء في "ابن كثير" : قال محمد بن كعب في قوله تعالى ﴿ خافضة رافعة ﴾ :
" تخفضُ رجالًا كانوا في الدّنيَا مرتفعينَ، وترفع فيها رجالا كانوا فيها مخفوضين ".
وفيما يلي بعض الأمثلة التي حدثت قديما في عهد السلف عن مجاهيل في الدنيا مرفوعون في الآخرة :
👈عن أبي برزة الأسلمي نضلة بن عبيد -رضي الله عنه- أَنّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان في مَغزى لَه، فأفاءَ اللّهُ عليهِ، فقالَ لأصحابه: "هَل تَفقدون منْ أَحدٍ"؟ قالوا: نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا، ثم قال: "هل تفقدون من أحد؟"، قالوا: نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا، ثم قال: "هل تفقدون من أحد؟"، قالوا: لا، قال: "لكني أفقد جُليبيبًا، فاطلبوه"، فطُلب في القَتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتَلوه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فوقَف عليه، فقال: "قتَل سبعةً، ثم قتلوه، هذا منِّي وأنا منه، هذا مني وأنا منه"، قال: فوضَعه على ساعدَيه ليس له إلا ساعِدَا النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: فحُفرَ له وَوُضع في قَبرِه، ولم يذكُر غسلاً. (رواه مسلم)
كان جليبيب من الصحابة لكنه غير معروف عندهم، وصار بعد استشهاده وكلام النبي صلى الله عليه وسلم عليه مشهورا بينهم وعند المسلمين بعدهم.
👈ذكَرَ الطَّبريُّ في "تَاريخِه" أنّه لما أتم اللهُ فتح "نَهَاوَنْدَ" في سنة إحدى وعشرينَ للهِجرةِ والتي يسميها المسلمونَ "فتح الفتوح"، جاءَ السائب بنُ الأقرعِ إلى الفاروقِ رضي اللهُ عنه فقال: أبشر يَا أمير المؤمنين بفتح أعز الله بِهِ الإسلام وأهله، وَأَذلَّ بِهِ الكفر وأهله قَالَ: فحمد الله عز وجل، ثم قال: النُّعْمَانُ بعثك؟ قال: احتسب النعمان يَا أمير المؤمنين، قال: فبكى عمر واسترجع قال: ومن ويحك! قال: فلان وفلان، حتى عَدَّ له ناسا كثيرا، ثم قال: وآخرين يَا أمير المؤمنين لا تعرفهم، فقال عمر وهو يبكي: ((لا يضرهم أَلا يعرفهم عُمَرُ، ولكن الله يعرفهم)) رواه الهيثمي وصححه الألباني.
👈ذكر الإمام ابن الجوزي ــ رحمه الله تعالى ــ في كتابه
(صفة الصفوة) عن مالك بن دينار بغير سند، -الله أعلم بصحتها- :
((قال عبد الله بن المبارك : { كنت بمكة فاأصابهم قحط فخرجوا إلى المسجد الحرام يستسقون فلم يسقوا وإلى جانبي أسود منهوك فقال اللهم إنهم قد دعوك فلم تجبهم وإني أقسم عليك أن تسقينا قال فوالله ما لبثنا أن سقينا.
قال فانصرف الأسود واتبعته حتى دخل دارا في الخياطين فعلمتها فلما أصبحت أخذت دنانير وأتيت الدار فإذا رجل على باب الدار فقلت أردت رب هذه الدار فقال أنا قلت مملوك لك أردت شراءه فقال لي أربعة عشر مملوكا أخرجهم إليك فأخرجهم فلم يكن منهم، فقلت له: بقي شيء؟ فقال لي غلام مريض فأخرجه فإذا هو الأسود فقلت بعنيه قال هو لك يا أبا عبد الرحمن فأعطيته أربعة عشر دينارا وأخذت المملوك فلما صرنا إلى بعض الطريق قال لي يا مولاي أي شيء تصنع بي وأنا مريض فقلت لما رأيت عشية أمس قال فاتكأ على الحائط فقال اللهم إذ شهرتني فاقبضني إليك قال فخر ميتا قال فانحشر عليه أهل مكة} ))
👈عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
"بينما رجل يمشي بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة : اسقِ حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له : يا عبد الله ما اسمك؟ قال : فلان؛ للاسم الذي سمع في السحابة فقال له : يا عبد الله، لم تسألني عن اسمي؟ فقال : إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول : اسق حديقة فلان لاسمك؛ فما تصنع فيها؟ فقال : أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها؛ فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثا، وأرد فيها ثلثه." رواه مسلم
وكم من رجل لم يُذكر اسمه في التاريخ لكنه عُرف بأعمال مشرفة للأمة الإسلامية، وهذا مثال حي : روى الإمام مسلم عَن أَبِي بكر بن أبِي موسى الأشعري، قال: سمعت أَبِي، وهو بحضرة العدو، يقول: قال رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلم: "إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف"، فقام رجل رَثُّ الهيئة، فقال: يَا أبا موسى، أأنتَ سمعت رسول اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يقول هذا؟ قال: نعم، قال: (فرجع إلى أصحابه، فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفْنَ سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب بِهِ حتى قُتلَ)
وكم من امرأة غير معروفة ربّت لنا رجالا وهبوا حياتهم للإسلام علما وعملا وجهادا، فلا أحد يعرف أم مالك وأم الشافعي وأم أحمد وأم البخاري وأم النووي وأم ابن تيمية وأم محمد بن عبد الوهاب وأم صلاح الدين الأيوبي وأم طارق بن زياد وأمهات الكثير من العلماء والصالحين والمصلحين والمجاهدين، وهنّ من هنّ فضلا وصناعة للرجال.
وكم من أعرابي لا نعرفه ترتب عن سؤاله النبي صلى الله عليه وسلم تعلم أمور في الدين عظيمة، وكم من أعرابي نجهل اسمه نشر الإسلام وتسبب في دخول قوم من قبيلته الإسلام فكان منهم المجاهدون والداعون إلى الله.
وكم من مجاهد في جيوش الصحابة فتحوا البلدان والأمصار لا نعرفهم.
وكم من مقاتل في سبيل الله في جيوش الدول الإسلامية رفعوا راية الإسلام لا نعرفهم، والله يعرفهم.
وكم من محافظ على الصلوات فرائضها ورواتبها يملك البيوت والقصور في الجنة منة من الله.
اللهم اجعلنا ممن تعرفهم وتحبهم وإن جهلهم الناس.
#شريف_الإسماعيلي
4 مشاهدة