
مقال دقيقة للقراءة
تجريف الوعي
تجريف الوعي لا يبدأ حين يفقد الإنسان حقوقه فحسب، بل حين يعتاد غيابها، وينشغل بمعركة البقاء فقط. والأخطر أن يتحوّل التكيّف مع المعاناة إلى تبرير لها، وأن تصبح النجاة الفردية أقصى طموحات مجتمع بأكمله.
ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية أو سياسية عابرة، بل واقع أشد خطورة؛ ما يمكن تسميته "تجريف الوعي"، حين يُستنزف الإنسان في معركة البقاء اليومي، حتى تتراجع قدرته على التفكير في أسباب معاناته وسبل تغيير واقعه.
لم تعد السيطرة تحتاج دائمًا إلى قمع مباشر؛ فقد يكفي أن ينشغل الإنسان بتأمين قوت يومه، ويُغرق في ضجيج الأخبار والتفاهات، حتى تنحصر اهتماماته في سؤال واحد: كيف أعيش اليوم؟
ومع الوقت، تختل المعايير؛ فتصبح المطالبة بالحقوق مبالغة، والكرامة ترفًا، ويتحوّل الصمت إلى حكمة، والخضوع إلى واقعية، والاستسلام إلى قدرة على التكيّف!
والأخطر أن يتحوّل التكيّف مع واقع مختلّ من ضرورة للبقاء إلى تبرير لهذا الواقع، ثم إلى دفاع عنه.
وهنا تتجلّى فكرة "مجتمع الفُرجة " لغي ديبور ؛ ففي عصر المنصات الرقمية، تتحوّل المآسي إلى مادة للاستهلاك، والغضب إلى تعليق عابر، والاحتجاج إلى تفاعل إلكتروني تطويه موجة جديدة من الأخبار.
أما بعض النخب التي يُفترض أن تكشف اختلالات الواقع، فتتحوّل أحيانًا إلى أدوات لتجميل الإخفاقات وتبريرها، بدل مساءلتها.
و هنا، ليست المأساة في الفقر وحده، بل في تطبيعه، وفي إقناع الإنسان بأن أقصى طموحه هو "النجاة الفردية"، وأن يمرّ يومه بسلام.
ويبقى السؤال: هل ما زلنا نتساءل لماذا وصلنا إلى هذا الواقع وكيف نغيّره، أم أننا انشغلنا بالتكيّف معه حتى اعتدنا ما كان ينبغي ألّا نعتاده؟
#خربشات
