الدرة 💎 العشرون
من كتاب "البصائر والذخائر" للتوحيدي
حين يصبح العقل محاميا للهوى
ليس أخطر ما في الهوى أنه يدفعنا إلى الخطأ، بل أنه قد يجعلنا نرتكب الخطأ ونحن مقتنعون بأننا على صواب.
يقول أبو حيان التوحيدي في البصائر والذخائر واصفا الهوى:
"وكأنه - أعني الهوى - مركب من فرط الشهوة وفاضل العقل، يخدع بالشهوة ويعذر بالعقل، ويجر الدواعي كلها، ويستعبد الحواس بأسرها".
تأمل هذه العبارة: "يخدع بالشهوة ويعذر بالعقل.
كم تحمل من معرفة بالنفس البشرية!
فنحن لا نتبع أهواءنا دائما لأننا نجهل الصواب؛ أحيانا نعرفه...
لكننا لا نريد الالتزام به.
وهنا تبدأ الحيلة: بدلا من أن نراجع رغبتنا... نبدأ في البحث عن مبررات تجعلها مقبولة.
قد نسمي خوفنا حكمة...
وترددنا تأنّيًا...
وانحيازنا وفاءً...
ورغبتنا في الانتقام دفاعًا عن الكرامة.
وقد ننتقي من الحقائق ما يؤيد موقفنا، ونتجاهل ما يربك قناعاتنا، ثم نخرج من ذلك كله ونحن نشعر بأننا أكثر الناس إنصافًا.
المشكلة هنا ليست في غياب العقل، بل في توظيفه لخدمة ما نرغب فيه مسبقًا.
فالعقل الذي كان ينبغي أن يكشف لنا عيوب أنفسنا قد يتحول إلى محامٍ بارع يدافع عنها، لا لأنه وجد الحقيقة، بل لأنه يبحث عن مخرج لرغبة لا نريد التخلي عنها.
وهنا يصبح سؤال النفس أصعب من سؤال الآخرين:
• هل أرى هذا الأمر صوابا فعلا، أم أراه صوابا لأنني أريده؟
• هل اتخذت موقفي بعد أن نظرت في الأدلة... أم أنني اخترت موقفي أولا، ثم جمعت له ما يؤيده؟
• وهل أملك الشجاعة لأغيّر رأيي إذا ظهرت لي الحقيقة، أم أنني أريد من الحقيقة أن تغيّر شكلها لتوافق رأيي؟
ليست هذه الأسئلة دعوة إلى الشك في كل شيء، ولا إلى اتهام النفس عند كل قرار؛ إنها دعوة إلى قدر من الصدق مع الذات، يجعلنا نفرّق بين ما نراه حقًا وما نتمنى أن يكون حقًا.
فأشدّ الخداع ليس أن تُخفي عن الناس حقيقة تعرفها... بل أن تُخفي عن نفسك حقيقة لا تريد الاعتراف بها.
وربما كانت بداية النضج أن نتوقف، قبل أن ندافع عن مواقفنا، ونسأل أنفسنا بصدق:
• أندافع عن الحقيقة، أم عن رغبتنا في أن نكون على حق؟
#غواص_المعاني
أغوص في بحر القراءة... لأعود بدرة.💎
#مجتمع #مجتمع_القراء #مجتمع_عام #البصائر_والذخائر #أدب #قارئ

32 مشاهدة