أقبل الصّبح جميلا
ها هو اللّه يفتحَ نافذةً صغيرةً في جدار العتمة، فيتسرّب منها الضوءُ كرسالةٍ تأخّرت طويلًا، ثم وصلت في اللحظة التي كاد القلبُ يفقد فيها نبضه.
ها هي الأرضُ تستيقظ من حلمها الطّينيّّ،
وتنفض عن كتفيها عباءة اللّيل،
ثم تخرج حافيةً إلى الشّمس،
كأنّّها لم تتعب أمس،
أو كأنّّ كلّ تلك الحروب الّتي مرّت فوق ظهرها
لم تترك في جسدها حفرة، ولا في روحها ندبة.
ها هي رائحةُ الخبز تتسلّل من الأفران إلى الأزقّة، فتوقظ في الذّاكرة بيتًا قديمًا، ويدًا أموميّةً كانت تعرف كيف تُطعم القلب قبل أن يجوع.
ها هي فناجينُ القهوةٍ يتصاعد منها بخارٌ يشبه صلاةً صغيرة،
وها هناك نافذةٌ تفتح ذراعيها لتستقبل شجرةٍ لم تفقد إيمانها بالفصول، وعصفورا يجرّب صوته على حافّة العالم، غيرَ عابئٍ بما أصاب العالم من صمم.
ها هي الأشياء تعود إلى أسمائها؛
كأن يستعيد الماء لمعانُه،
والطّرقات وجوهها،
والوجوه فرصتها الأخيرة كي تتخلّص من أقنعتها.
وها نحن نرى ما لم نره أمس،
لأنّ شيئًا مّا في أعيننا قرّر أن ينجو.
وها كلّ الحزانى ينهضون من أسرّتهم مثقلين بما لا يُقال،
فيحملون قلوبهم كما يحمل المسافر حقيبةً أثقل من رحلته،
ثم يفتحون الباب
ويمضون مؤمتين بأنّ في الضّوء متّسعًا لخطوةٍ أخرى،
وبأنّ الحزن، قد تتّسع ممالكه اتّساعا، لكنّه مع ذلك لا يمكن أن يملك الشّمس.
ها قد طبع الصّباح...
الصّباح هو انتظارُ الأرض المطر،
هو انتظارُ أمّ خطوات ابنها العائد،
هو انتظارُ عاشق رسالة قد تختصر المسافة بين قلبين في كلمتين.
هو أن تضع يدك على هاتفك، فتجد العالم كلّه هناك، إلّا ذلك الصّوت الّذي تهفو إليه روحك؛
فتفهم أنّ النّهار قد يبدأ في السّّماء،
أمّا في القلب، فإنّه لا يبدأ حقًّّا إلّا حين يصل صوت من تحبّ فيسدّ شقوق الرّوح.
صحيح أنّه في بلادٍ أخرى، طلقةٌ توقظ طفلًا قبل أن توقظه أمّه،
ونافذةٌ محطّمةٌ تتعلّم كيف تستقبل الشمس،
وامرأةٌ تجمع أسماء الغائبين من بين الركام، كي لا يظنّ الموت أنّه انتصر حين أخذ الأجساد وترك الأسماء.
فالصّباح ليس بريئًا دائمًا؛
قد يطلع على مدينةٍ منطفئة،
وعلى خبزٍ لا يكفي الجائعين،
وعلى عدالةٍ نامت طويلًا حتّى نسيت الطّريق إلى أبواب المظلومين.
لكنّه، رغم ذلك، يجيء.
يضع ضوءه على الجرح دون أن يسأل عن صاحبه،
ويترك للإنسان فرصةً جديدةً
كي يعيد ترتيب العالم،
ولو في قلبه وحده.

31 مشاهدة