دمشق العشق
دمشق العشق
قالوا لي: ما سرُّ دمشق؟
فلم أعرف بماذا أجيب.
كيف أشرح لمدينةٍ أنني أحبها، وأنا لا أعرف أين يبدأ حبها في داخلي وأين ينتهي؟
كيف أصف امرأةً لا أستطيع أن أضع لها صورةً واحدة؛ لأن ملامحها تتبدل كلما اقتربتُ منها، وتبقى هي؟
دمشق ليست مدينةً…
دمشق حالةٌ تصيب القلب.
قد تدخلها أول مرةٍ سائحًا، فتخرج منها بعد سنواتٍ وأنت لا تعرف متى أصبحتَ ابنًا لها.
تسير في زقاقٍ قديم، فلا تدري: هل أنت الذي تمشي فيه، أم أن الزمن هو الذي يمشي بك؟
تلمس حجرًا عند بابٍ عتيق، فتشعر أن يدًا ما سبقت يدك بقرون، وأن هذا الحجر لم يكن صامتًا يومًا؛ كان فقط ينتظر من يعرف كيف يصغي.
وفي دمشق، لا تسأل الياسمينة عن عمرها.
إنها لا تكبر…
إنها تُورِث عطرها.
ولا تسأل بردى أين ذهب كل الذين أحبوه؛ فالماء لا يحتفظ بالأجساد، لكنه يحتفظ بأصوات العابرين.
أما قاسيون، فلا أراه جبلًا يطل على دمشق؛ أراه ذاكرتها حين قررت أن تقف.
ولهذا، كلما ابتعدتُ عن دمشق، لم أشعر أنني أترك مدينةً خلفي؛ كنت أشعر أنني أترك جزءًا من نفسي في مكانٍ لا أستطيع الوصول إليه إلا بالحنين.
الغريب أن الإنسان يستطيع أن يعتاد الغربة، وأن يتعلم شوارع جديدة، وأن يحفظ عناوين جديدة، وأن يضع حياته في حقائب لا تشبه حقائب الطفولة…
لكنه لا يستطيع أن يعلّم قلبه عنوانًا جديدًا.
فالقلب، حين يحب دمشق، يصبح عنيدًا.
كلما قلتَ له: هذه مدينتك الآن…
قال لك:
وماذا عن دمشق؟
وحين يطول الغياب، لا تعود دمشق في الذاكرة كما كانت؛ تصبح أكثر اتساعًا.
يكبر فيها بيت الطفولة.
يكبر فيها وجه الأم.
يكبر فيها صوت البائع العابر.
تكبر فيها نافذةٌ لم ننتبه إليها يومًا.
حتى الشوارع التي كنا نمشيها دون اكتراث، تتحول بعد الغياب إلى قصائد لا نعرف كيف نحفظها.
وهنا فهمتُ سر دمشق:
المدينة التي نعيش فيها تُعطينا مكانًا،
أما المدينة التي تحبنا فتمنحنا هوية.
ودمشق من المدن التي لا تكتفي بأن تسكنها…
تسكنك.
ولذلك ربما لا يكون السؤال:
«متى نعود إلى دمشق؟»
السؤال الأصدق هو:
متى تعود دمشق إلينا؟
لأنها، في الحقيقة، لم تغادر.
كانت معنا حين أُغلقت الأبواب،
وفي الطائرات والقطارات،
وفي المدن البعيدة،
وفي أول رشفة قهوةٍ تشبه صباحاتها،
وفي رائحة خبزٍ أعادت إلينا فجأةً بيتًا لم نعد نعرف إن كان بيتًا أم ذكرى.
كانت معنا دون أن نطلب منها ذلك.
كأنها قالت لكل من ابتعد:
اذهب…
خذ طريقك،
غيّر عنوانك،
تعلم لغات العالم،
لكن لا تحاول أن تغيّر لغتك الأولى؛
فأنا مكتوبةٌ في الجهة التي لا تصل إليها الخرائط.
يا دمشق…
ربما لهذا لا أستطيع أن أقول إنني أعشقكِ.
فالعشق، مهما كان عظيمًا، يجعل العاشق والجميل اثنين.
وأنتِ لم تعودي شيئًا خارج قلبي حتى أعشقكِ.
أنتِ من الأشياء التي صارت جزءًا من تكوينه.
أنا لا أحب دمشق كما يحب المرء مدينةً؛
أنا أحبها كما يحب الإنسان الجزء الذي لو اقتُطع منه، ظلّ حيًّا… لكنه لن يعود هو نفسه.
ولهذا، إن سألني أحدهم يومًا:
ما دمشق؟
لن أقول: الياسمين، ولا بردى، ولا قاسيون، ولا أبوابها القديمة.
سأقول:
دمشق هي المدينة التي كلما ابتعدتَ عنها خطوة،
اقتربتَ منها في داخلك ألف خطوة.
هي التي لا تحتاج أن تعود إليها كي تراها…
يكفي أن تشتاق.
فإذا اشتقتَ، فتّحت فيك أبوابها.
وإذا بكيتَ، جرى بردى في عينيك.
وإذا ابتسمتَ لذكرى قديمة، أطلّ الياسمين من جهةٍ ما في قلبك.
وعندها تعرف الحقيقة التي تأخرتُ كثيرًا في فهمها:
لم نكن نحن الذين نعشق دمشق…
كانت دمشق هي التي علّمتنا كيف يكون العشق.
ولهذا، مهما أخذتنا البلاد بعيدًا،
ومهما بدّلت الأيام وجوهها،
ومهما طال الطريق…
ستظل دمشق هناك،
لا تنتظر عودتنا فقط…
بل تنتظر اللحظة التي نكتشف فيها أن قلوبنا، منذ البداية،
لم تكن تعرف طريقًا آخر إلى الوطن.
دكتور مفلح شحادة شحادة كاتب وشاعر وناقد المانيا