ما حالُ قلبك؟
لا تسألني عن قلبٍ أمضى عمره في عدّ النبضات؛ اسألني عن قلبٍ كان كلما انكسر، خبّأ شظاياه عن الآخرين، ومضى يوزّع الدفء كأن الشتاء لم يسكنه يومًا.
قلبي ليس بخيرٍ تمامًا، وليس حزينًا كما تظن؛ إنه يشبه عازفًا أتعبته الحفلات، لكنه كلما وضع يده على أوتاره، اكتشف أن في داخله لحنًا لم يُعزف بعد.
فيه مقاعد شاغرة لأشخاص غادروا، وأغانٍ لم تكمل طريقها، وأحلامٌ تأخرت حتى شاب انتظارها، لكنه لم يحوّل الغياب إلى كراهية، ولم يجعل الخيبة قانونًا يحكم به على الجميع.
لقد علّمتني الحياة أن بعض الوجوه لا تكشف حقيقتها إلا حين تنطفئ المصالح، وأن بعض المسافات تبدأ ونحن ما زلنا نتقاسم المكان، وأن أقسى أنواع الفقد أن تفتقد إنسانًا وهو أمامك، بعدما غادرته روحه قبل خطاه.
كبرتُ، نعم، لكنني لم أُحِل قلبي إلى التقاعد؛ ما زال يركض خلف قصيدة جميلة، ويصغي للمطر كأنه يسمعه للمرة الأولى، ويمنح الصدق مكانًا لا تبلغه ضوضاء العالم. تغيّرتُ في طريقة العبور، لا في جوهر الحلم؛ صرت أختار أبوابي بعناية، لكنني لم أغلق نوافذي في وجه الضوء.
فما حال قلبي؟
إنه يتقن الآن فنّ النجاة دون أن يتقن القسوة؛ يعرف كيف يودّع دون أن يكره، وكيف يسامح دون أن ينسى كرامته، وكيف يمضي دون أن يحمل في يديه حجارةً يرمي بها من آذاه.
قلبي ليس كما كان؛ فقد فقد بعض دهشته، لكنه ربح بصيرته. لم يعد يصدّق كل ضوء، لكنه لم يفقد إيمانه بالشمس.
وإذا أردت الحقيقة، فقلبي بخيرٍ على طريقته؛ فيه ندوبٌ لا يراها أحد، وأحلامٌ لم تستسلم، ونافذةٌ لا تزال مفتوحة على الحياة.
فما أقسى أن تكسرنا الحياة، وما أجمل أن نعبرها دون أن نتعلّم كيف نكسر الآخرين!
د. مفلح شحادة شحادة
كاتب وشاعر وناقد المانيا
1