حين تتحدث عن الحداثيين وسخافة كتاباتهم ورذالة أسلوبهم، يقوم نفر ممن يدينون بالولاء لهم يُقرِّعونَك بالكلام ويرشقونك بالسهام من أجل أناس أفنوا مدادهم في كتابات باطنها الطعن والدسّ وغلافُها السفه والسخف، وبزّوا في هذا المجال الجنّ والإنس، فجعلوا منهم خطباء عصرِهم، وبلغاءَ مِصرِهم، ورأوا أنهم فوق النقد، كدرة مكنونة في عقد، ولا يصح لأي كان انتقاص قدرهم أو احتقار أمرهم، لا لشيء إلا لأن صيتهم ذائع، وذكرهم شائع، وباعهم واسع، ولكن هذه النظرة لا يراها إلا من قَصُر نظره، وضاق بصره، فافتتن بأول كلام رآه، وآلى ألا يعدل به سواه.
أما من أبحر في بحر كتبِ الفصاحة والأدب، وغَرف من مناهل البلاغة التي كان عليها العرب، فقرأ دُرَر الزَّمَخشَري، وجواهر الجوهري، وأعاجيب الجاحظ، وأشعار صاحب ابن لاحظ، وبدائع زُهَيْر، وغرائب أبي بصير، وتاريخ ابن الأثير، وأخبار ابن كثير، وبلاغة الحجّاج، وغُرَر الزجّاج، واطّلع على خُطبة زياد، ونادرة قس إياد، ومعاني لبيد، وتفصيلات العقد الفريد، ونقائض الثالوث الأموي وثَمَرات ابن حجَّة الحَمَوي، وعجائب المتنبي، ومختارات ابن الكلبي، وسِيَر الذهبي، ومُفَضَّلِيّات الضُّبّي، سيُلِم كل الإلمام بركاكة اللغة التي يكتبون بها، ويدرك يقينا أنهم ليسوا على قدر كبير من البلاغة، ولا يرقَون إلى منزلة الأسلاف، لا سيما وأنهم يتعمدون إلى الإسفاف.
تأ بط
11 مشاهدة