حوران العشق
حوران العشق
حين اكتشفتُ أنني لم أغادر
سألني أحدهم:
كيف يستطيع الإنسان أن يحمل وطنًا كاملًا في قلبه، ثم يمضي في العالم كأن يديه فارغتان؟
لم أعرف كيف أجيبه.
كنت أريد أن أقول له إنني ابن حوران، لكنني شعرت أن العبارة، على صدقها، لا تكفي. فهناك فرقٌ بين أن تنتمي إلى أرضٍ لأنك وُلدت فيها، وأن تكتشف، بعد سنواتٍ من الرحيل، أنها كانت تكتبك منذ البداية.
لم أفهم حوران حين كنتُ فيها؛ فهمتُها حين صرتُ بعيدًا عنها، ولم أعد أجدها إلا في داخلي.
في حوران، لم أكن أتأمل التراب كثيرًا. كان تحت قدمي، قريبًا إلى حدٍّ يجعلني أظن أنه سيبقى هناك دائمًا.
ولم أكن أرفع رأسي إلى القمح كما أفعل الآن في ذاكرتي. كانت السنابل جزءًا من المشهد اليومي، وكانت الأرض تمضي في مواسمها دون أن تسألني إن كنتُ أدرك ما تمنحني إياه.
لم أكن أعرف أن الأشياء التي تحيط بنا بهدوء قد تصبح، يوم نفقد قربها، أعلى الأصوات في أرواحنا.
ثم رحلت.
ومضيت في طرقٍ جديدة، بين وجوهٍ لا تعرف حكايتي الأولى، وشوارع لا تحفظ خطاي، وأبوابٍ كان عليّ أن أطرقها كي أجد لنفسي مكانًا.
تعلّمت أن أعيش بعيدًا، لكنني لم أتعلم كيف أكون بلا بداية.
فكلما ظننت أنني اعتدت المسافة، جاءت رائحة ترابٍ بعد المطر، أو لهجةٌ تشبه لهجتي، أو سنبلةٌ مرّت أمام عيني، فعادت حوران كاملةً، لا كما تُستعاد الصور، بل كما تستيقظ الحقيقة حين نتوقف طويلًا عن رؤيتها.
عندها فهمت أن الحنين ليس أن تتذكر ما كان.
الحنين أن تكتشف أن ما كان ما زال يعمل فيك.
أن تعرف أن كرم البيت الذي نشأت فيه صار جزءًا من طريقتك في استقبال الآخرين، وأن كرامة الناس الذين عرفتهم هناك تركت أثرها في فهمك للإنسان، وأن بساطة الحياة التي ألفتها لم تكن فقرًا في التفاصيل، بل غنىً لم تعرف كيف تسميه إلا حين ابتعدت.
لقد كانت حوران تعلّمني دون أن تشرح.
كانت الأرض تقول لي إن ما يُدفن ليس بالضرورة أن ينتهي، وإن حبة القمح لا تعود إلى الحياة إلا بعد أن تغيب عن العين.
وكان السهل يعلّمني أن الاتساع لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الأشياء العظيمة قد تقف أمامنا في صمتٍ كامل، فلا نعرف قيمتها إلا حين تصبح بعيدة.
وكانت البيوت تعلّمني أن الباب لا يكون كريمًا لأنه مفتوح، بل لأن القلب الذي وراءه لا يجعل القادم غريبًا.
لم أكن أعرف أنني أجمع هذه المعاني في داخلي.
كنت أظن أنني أعيش أيامًا عادية، فإذا بتلك الأيام تبني في أعماقي ملامح لن تستطيع الغربة محوها.
ثم درعا…
هنا يصبح الكلام أصعب.
فدرعا ليست اسمًا أضعه في جملةٍ عن الوطن، ولا مدينةً أستعيدها حين أريد أن أكتب عن الماضي.
إنها المكان الذي ما زالت بعض أسئلتي تنتظر فيه إجاباتها.
هناك بيتٌ تركته، لكنني لم أترك الرجل الذي كان يدخل إليه ويخرج منه دون أن يفكر في أن للبيوت أعمارًا في الذاكرة، وأن الطريق المألوف قد يتحول يومًا إلى مسافةٍ لا تقطعها الخطوات وحدها.
هناك تفاصيل صغيرة لم أكن ألتفت إليها: بابٌ قديم، وطريقٌ أعرفه، ووجوهٌ كانت تمرّ في حياتي كأن وجودها أمرٌ مضمون.
واليوم، كلما استعدتُ واحدةً منها، شعرت أن الغياب لم يغيّر قيمتها فحسب؛ غيّرني أنا.
فما الذي يجعل نافذةً عادية وطنًا كاملًا بعد سنوات؟
وما الذي يمنح صوتًا مألوفًا قدرةً على اختصار المسافة بين قارتين؟
وما الذي يجعل الإنسان يشتاق إلى أشياء لم يكن يظن أنه سيشتاق إليها يومًا؟
ربما لأننا لا نفقد الأشياء وحدها؛ نفقد معها النسخة التي كنّاها حين كانت تلك الأشياء حولنا.
ولهذا، حين أشتاق إلى درعا، لا أشتاق إلى مكانٍ فحسب.
أشتاق إلى عمري وهو يمشي في طرقاتها، وإلى نفسي قبل أن أتعلم كيف أبدو قويًّا أمام المسافات، وإلى ذلك الإحساس البسيط بأن بعض ما أحبّه لا يحتاج إلى موعدٍ كي أراه.
يا درعا، يا جزءًا من حوران لا تختصره الكلمات…
لا أعرف كيف ستكون العودة إن جاءت.
ربما سأجد أشياء تغيّرت، ووجوهًا غابت، وطرقًا لم تعد كما تحفظها الذاكرة. وربما سأقف أمام مكانٍ أعرفه جيدًا، ثم أكتشف أنني أحتاج إلى وقتٍ كي أتعرف إليه من جديد.
لكنني لا أريد أن أطلب من الأرض أن تعيد لي الزمن.
أريد أن أعود إليها بقلبٍ يستطيع أن يحبّ ما بقي، وأن يحزن على ما تغيّر، وأن يفتح نافذةً للمستقبل دون أن يغلق أبواب الذاكرة.
فالوفاء ليس أن نطالب الأمكنة بأن تبقى كما تركناها؛ الوفاء أن نحفظ ما منحته لنا، وأن نكون جديرين به أينما صرنا.
وهنا تغيّر سؤالي.
لم أعد أسأل: متى أعود إلى حوران؟
بل أسأل: ماذا أفعل بحوران التي أحملها؟
كيف أجعل من حنيني وفاءً لا يكتفي بالبكاء؟ وكيف أحفظ لأبنائي حكاية الأرض التي سبقتهم إلى الحياة، دون أن أجعلها حكايةً عن الماضي وحده؟
أريدهم أن يعرفوا أن حوران ليست مجرد اسمٍ في شجرة العائلة، ولا صورةً قديمةً في ألبوم، ولا حنينًا يرثه الأبناء عن الآباء.
أريدهم أن يعرفوا أنها كرمٌ حين تضيق الحياة، وكرامةٌ حين يصبح التنازل سهلًا، وصبرٌ حين يتأخر الحصاد، ومحبةٌ تجعل الإنسان يرى في الآخر إنسانًا قبل أن يسأل عن اسمه أو أصله.
أريدهم أن يفهموا أن الجذور لا تمنع الشجرة من الوصول إلى السماء؛ إنها تمنحها القدرة على الارتفاع دون أن تسقط.
فليس المطلوب أن نبقى في المكان كي نثبت أننا أبناءه، بل أن نحمل أجمل ما فيه إلى العالم، وأن نترك في حياتنا أثرًا يليق بالأرض التي صنعت بداياتنا.
يا حوران العشق…
ربما لم أكن أعرف، وأنا أعيش بين سهولك، أنني كنت أتعلم لغةً سترافقني في البلاد البعيدة.
لم أكن أعرف أن رائحة التراب ستصبح يومًا مفتاحًا، وأن القمح سيغدو أكثر من محصول، وأن البيت الذي كنت أدخله دون تفكير سيكبر في الذاكرة حتى يصبح معنى الأمان نفسه.
ولم أكن أعرف أن الغربة، بكل ما فيها من تعبٍ ومحاولاتٍ وبداياتٍ جديدة، ستعلّمني أن الإنسان قد يغيّر عنوانه، لكنه لا يستطيع أن يختار من جديد الأرض التي كتبت ملامحه الأولى.
لهذا، حين يسألني أحدهم عن سرّ حوران، لن أقول إنها أجمل أرضٍ في العالم؛ فالحبّ لا يحتاج إلى أن ينتصر على الأماكن الأخرى كي يكون صادقًا.
سأقول إنها الأرض التي منحتني شيئًا لا أستطيع أن أضعه في حقيبة، ولا أن أتركه في مطار، ولا أن أستبدله بعنوانٍ جديد.
منحتني بدايةً أعود إليها كي أفهم نفسي، وذاكرةً تعلّمني أن ما نحبّه لا يصبح ماضيًا لمجرد أننا ابتعدنا عنه، ومسؤوليةً تجعل الانتماء أكثر من كلمةٍ جميلة.
أنا ابن حوران؛ لا لأنني وُلدت على أرضها فحسب، بل لأنني كلما حاولت أن أفهم نفسي، وجدت في داخلي شيئًا من سهلها، وشيئًا من كرم بيوتها، وشيئًا من صبر قمحها، وشيئًا من درعا التي ما زالت تسألني، بصمتها البعيد، عمّا فعلتُ بكل ما منحتني إياه.
والآن، لو سألني أحدهم مرةً أخرى: ما حوران؟
سأقول:
حوران هي الأرض التي قد تبتعد عنها حتى تظن أنك نجوت من الحنين، ثم تكتشف أن الحنين لم يكن يطاردك؛ كان يذكّرك بمن أنت.
هي المكان الذي لا يقيس قربك منه بعدد الخطوات، بل بما بقي فيك من أثره.
هي البداية التي لا تطلب منك أن تعود إلى الوراء، بل أن تمضي إلى الأمام دون أن تتنكر لها.
هي الأرض التي لا تحتاج أن تراها كل يوم كي تعرف أنك ابنها؛ يكفي أن تفتح قلبك، فتجدها هناك، في الجهة التي لم تصل إليها الخرائط.
لم أكن أحمل حوران في ذاكرتي وحدها؛ كنت أحملها في الطريقة التي أعيش بها.
ولهذا، مهما طال الطريق، ومهما اتّسعت المدن، ومهما أتقنتُ العيش بعيدًا، سأظلّ أعرف أن في داخلي سهلًا لا تضيق حدوده، وبيتًا لا يُغلق بابه، وسنبلةً تواصل رحلتها نحو الضوء.
وسأظلّ أكتب عن حوران، لا لأقنع العالم بأنني أحبّها، بل لأحاول أن أفهم كيف استطاعت أرضٌ أن تترك كل هذا الأثر في إنسانٍ غادرها، ثم ظلّ يكتشفها في نفسه كلما ظنّ أنه ابتعد.
يا حوران…
لم أعد أسأل متى أعود إليكِ.
فقد أمضيتُ سنواتٍ أظنّ أنني أمضي بعيدًا عنكِ، حتى اكتشفتُ أنني كنتُ أمضي في العالم… وأنتِ تمضين فيَّ.
د. مفلح شحادة شحادة
أديب وشاعر وناقد – ألمانيا