يوم من غير هاتف
حين استيقظت ذلك الصباح لم أكن أعلم أنني على موعد مع تجربة ستعيد ترتيب أشياء كثيرة في داخلي، لم يكن الأمر قراراً اتخذته بإرادتي، بل فرضته ظروف طارئة حين تعطلت شبكة الاتصالات، فأصبح هاتفي الذي اعتدت أن أمد إليه يدي كل حين قطعة صامتة لا تنطق ولا تستجيب.
في الساعات الأولى شعرت بشيء من الضيق، كأن نافذة واسعة قد أغلقت في وجهي، أخذت أتفقد الهاتف بين الفينة والأخرى، ثم أدركت عبث المحاولة، فرفعته جانباً، لأكتشف أن العالم الحقيقي ما يزال هناك ينتظرني، وأن الحياة لم تتوقف كما كنت أتوهم.
خرجت من عزلتي الإلكترونية وعدت إلى دفء الأسرة، وجدت في أحاديث الأهل ما لم أجده في آلاف الرسائل العابرة، وفي ضحكاتهم ما لا تصنعه مئات المقاطع المصورة، كانت الكلمات تتدفق عفوية وصادقة، وكانت الوجوه أكثر إشراقاً من أي شاشة.
ثم قادتني الخطى إلى الأصدقاء،جلسة قهوة بسيطة في ركن من أركان الحي بدت أجمل من ساعات طويلة أقضيها في التنقل بين التطبيقات، هناك عادت الحكايات القديمة، وعادت السخرية البريئة، وعاد الشعور بأن الصداقة حضورٌ حيٌّ لا يمكن أن تعوضه المحادثات الافتراضية،
وعند العصر وقفت على طرف ملعب الحي أتابع مباراة لكرة القدم،رأيت اللاعبين يركضون بكل ما فيهم من شغف، والجمهور يتفاعل مع كل لمسة وكل هدف،كانت الحياة تنبض أمامي بكل تفاصيلها، وكنت أتساءل في نفسي: كم من هذه المشاهد الجميلة مرت بي وأنا منشغل بالنظر إلى شاشة صغيرة؟
وحين عدت إلى المنزل وجدت وقتاً كافياً لأصادق كتاباً طال انتظاره على الرف، وأمنح قلمي فرصة للكتابة بعد طول انشغال، شعرت أن الأفكار أكثر صفاءً، وأن الذهن أكثر قدرة على التأمل والإبداع حين يتحرر من ضجيج التنبيهات المتلاحقة.
غير أن المشهد الذي ظل عالقاً في الذاكرة كان مشهد الأطفال، رأيتهم يركضون في الطرقات والساحات، يضحكون من أعماق قلوبهم، ويتقافزون بخفة الفراشات، لم تكن أعينهم معلقة بشاشات، ولا أيديهم أسيرة أجهزة،كانوا يعيشون لحظتهم كاملة، ويستمتعون بطفولتهم كما ينبغي لها أن تكون.
ثم شاركت أهل الحي في عمل من أعمال النفير، ذلك الإرث السوداني الجميل الذي يجسد أسمى معاني التعاون والتكافل، كنا نعمل معاً من أجل أسرة محتاجة، نتقاسم الجهد والوقت والعرق، ونتقاسم قبل ذلك شعوراً عميقاً بالإنسانية،هناك أدركت أن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد متابعيه أو رسائله، بل بقدر ما يقدمه للناس من خير.
ومع انقضاء النهار جلست أتأمل ما حدث، اكتشفت أن الهاتف الذي صنع لنا جسوراً للتواصل قد يبني أحياناً جدراناً خفية بيننا وبين من حولنا، وأننا كلما اقتربنا من الشاشات أكثر، ابتعدنا قليلاً عن التفاصيل الصغيرة التي تصنع جمال الحياة.
لقد كان يوماً بلا هاتف، لكنه كان يوماً ممتلئاً بالناس والكتب والذكريات والضحكات والعمل الجماعي، يوماً أعاد إليَّ أشياء كثيرة كنت أظنها ما تزال معي، فإذا بها قد غابت في زحام الانشغال.
ومنذ ذلك اليوم أيقنت أن أجمل ما في الحياة ليس ما يضيء داخل الشاشات، بل ما يضيء داخل القلوب.
34 مشاهدة