حين يعود الربيع 🌿
وأخيرًا، حلَّ الربيع، وأزهر الغصن من جديد، واكتسى بالخضرة والبهجة، بعدما ظنَّت الأوراق أن الحياة ستتوقف برحيلها، وأن الغصن لن يقوى على البقاء من دونها.
وحين أقبل الشتاء، تخلَّت عنه الأوراق، وتساقطت تباعًا، ورقةً تلو أخرى، ظنًّا منها أن الغصن سيتجرَّد من الحياة، وأنه لن يصمد طويلًا في غيابها.
لكن الغصن ظلَّ ثابتًا، متشبثًا بجذوره، يقاوم قسوة الشتاء في صمت، حتى انقضت أيام البرد، وأقبل الربيع يحمل معه بشائر الحياة، فعاد الغصن أكثر اخضرارًا، وأشدَّ بهاءً مما كان.
أما الأوراق التي تخلَّت عنه في محنته، فقد تلاشت ملامحها، وتحللت في التراب، ولم يبقَ منها سوى أثرٍ غمرته الأيام.
وعندما عاد الربيع، تمنَّت تلك الأوراق لو أنها بقيت، ولو أنها صبرت على قسوة الشتاء، لكنها غفلت عن حقيقةٍ لا تتغير: أن الورقة التي غادرت غصنها، قد لا تجد إليه سبيلًا مهما اشتاقت إلى أيامها الخضراء.
وهكذا هم بعض البشر؛ يتخلَّون عنك في شتاء أيامك، ويغادرونك حين تضيق بك الحياة، ظنًّا منهم أنك لن تستطيع النهوض بعدهم، وأن غيابهم سيطفئ ما بقي فيك من نور.
لكنهم لا يعلمون أن في أعماقك جذورًا تضرب في الأرض، وقوةً لا تظهر إلا حين تشتدُّ العواصف، وأن بعض الفصول، مهما قست، لا تأتي لتُنهي حياتك، بل لتكشف لك حقيقة من حولك، وتعلِّمك كيف تعتمد على نفسك.
ثم يأتي ربيعك، فتزهر من جديد، لا لأن الذين رحلوا عادوا، بل لأنك اكتشفت أنك كنت قادرًا على الحياة منذ البداية.
فلا تحزن على ورقةٍ أسقطها الشتاء، ولا تندم على غصنٍ ظننت أنه لن يزهر دونها؛ فبعض الرحيل خسارةٌ في ظاهره، لكنه بدايةٌ لحياةٍ أجمل.
وإذا عاد أولئك الذين غادروا في زمن المحنة، فلا يلزم أن تكرههم، ولا أن تفتح لهم الأبواب التي أغلقتها التجارب؛ يكفي أن تعرف أن الربيع الذي أعاد إليك الحياة، لم يكن بحاجةٍ إلى عودتهم.
فليس كلُّ من رحل يستحقُّ العودة، وليس كلُّ من عاد يجد المكان الذي تركه.
🌿 ازهر لنفسك، واثبت بجذورك، ولا تجعل رحيل الأوراق يُقنعك بأنك لن ترى الربيع أبدًا.
8