جسورُ قسنطينة.. سِفرُ الحجرِ والحديد
قسنطينةُ مدينةٌ شاءت لها الأقدارُ أن تتربّع على صخرةٍ عصيّةٍ شامخة، تحرسها الأوديةُ من كلّ جانب كما يحرسُ السوارُ المعصم.
وكان لزاماً على أهلها، وقد أبت الهوّةُ أن تكون سدّاً بين شطريها، أن يستنطقوا الصخرَ ويروّضوا الحديد، فنسجوا فوق الوادي السحيق جسوراً كأنها قصائدُ معلّقةٌ، لكلّ واحدةٍ منها رويُّها وقافيتها وسِحرُها الفتّان.
فمنها ما شُيّد بالحجر المنحوت، تتعاقب أقواسُه كأنها أنفاسُ التاريخ الرصينة، وتحمل على جبينها هيبةَ الأزمنة الغابرة وسمتَ الوقار. ومنها ما تدلّى بالحبال والأسلاك، يتأرجح في الفضاء تأرجحَ الحالم بين اليقظة والمنام، فيخفق له قلبُ العابر خفقةَ الرهبة والافتتان. ومنها ما استطال في الأعالي، حتى لَيحسبَه الناظرُ خيطاً من نور مشدوداً بين جانبَي الأفق.
وإذا أرخى الأصيلُ سدولَه، وتناثر الشفقُ على الحديد تبراً مذاباً، اكتست الجسورُ حُلّةً من الذهب والأرجوان، وانعكس بهاؤها على صفحة الوادي، فبدت المدينةُ لوحةً أبدعتها ريشةُ فنّانٍ سماويّ.
وإذا هبط الليلُ، تألّقت المصابيحُ على أطرافها كعقدٍ من الدرر نُظم على نحر الظلام، وسهرت الجسورُ تحرس أحلامَ النائمين.
وهي في معناها أبلغُ من أن تكون حديداً وإسمنتاً؛ إنها وشائجُ ألفةٍ بين الضفاف، ورسائلُ وصلٍ تُكتب فوق الهاوية، وشاهدٌ ناطقٌ على أن إرادة الإنسان إذا اتّقدت، ذلّلت المستحيل، وطوَت المسافات، وجعلت من الفراغ طريقاً.
فسلامٌ على قسنطينة، سيّدةِ الصخر، وعروسِ الوادي، ومَن جعلت من جسورها عقداً يزيّن جيد الدهر، وحكايةً لا يطويها النسيان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعاقبت على قسنطينة أسماءٌ كثيرة عبر تاريخها الطويل:
سيرتا (Cirta): أقدم أسمائها المعروفة، وهي عاصمة مملكة نوميديا زمن ماسينيسا. يُرجَّح أن أصل الكلمة فينيقي بمعنى «المدينة».
كيرتا / قرطا: الصيغة البونيقية للاسم القديم نفسه.
قسنطينة (Constantina): سُمّيت بذلك نحو سنة 313م، حين أعاد الإمبراطور قسطنطين بناءها بعد أن دمّرتها الحروب، فحملت اسمه إلى اليوم.
قسنطينة: نُطقها العربي، وعُرفت به في العهدين الإسلامي والعثماني، حين كانت عاصمة بايلك الشرق.
ولها كذلك ألقابٌ أدبية شاع تداولها، منها مدينة الجسور المعلقة، ومدينة الصخر العتيق، وعاصمة الشرق الجزائري، ومدينة العلم والعلماء.
#مجتمع
#أدب
#حكايات_الزمان
#الجزائر
39 مشاهدة