صوت الحق وبطش الظالم
"قولوا لعين الشمس ما تحماشي… أحسن غزال البر صابح ماشي!"
ليست مجرد أغنية…
بل كانت صرخة المصريين ليلة إعدام إبراهيم الورداني، يهتفون بها في الشوارع حزناً وثورة،
كلمات خرجت من قلوب موجوعة، تحولت فيما بعد إلى أغنية شهيرة غنّتها شادية…
لكن الأصل كان دمعة، ووداعًا لبطل، واسمه كان: إبراهيم الورداني.
"ست رصاصات… كل واحدة فيها صرخة وطن!"
في صباح 20 فبراير 1910، وقف شاب في الرابعة والعشرين من عمره، اسمه إبراهيم الورداني، أمام رئيس وزراء مصر بطرس غالي… وأطلق عليه ست رصاصات.
كل رصاصة لم تكن مجرد طلقة، بل كانت ثأرًا لدنشواي، وصوتًا لفلاح أُعدم، ودمعة أم، وخنجرًا في صدر خائن.
الورداني لم يكن صانع شعارات، بل صيدليًا مثقفًا، درس في سويسرا وإنجلترا، وحصل على شهادة في الكيمياء… وعُرضت عليه فرص للعمل في الخارج، لكنه رفض أن يعيش بعيدًا عن وطن يُذبح، واختار أن يعود ليعمل فيه، ويموت على أرضه.
لم يهتف في الميادين، بل آمن أن من يخون وطنه لا يُناقَش… بل يُحاسَب.
ورأى في بطرس غالي رمزًا للعار:
من منح الاحتلال امتياز قناة السويس 40 سنة إضافية!
من أسّس محكمة دنشواي التي أعدمت المصريين بدم بارد!
من كان السبب في إعدام عشرات الفدائيين الأحرار!
وكان رجل الإنجليز الأول في مصر… حتى إنهم نعوه بعد موته بقولهم:
"لقد مات الرجل الوفي!"
وحين أُلقي القبض عليه، تولى التحقيق معه عبد الخالق باشا ثروت، النائب العام وقتها، واعتبر القضية "جريمة سياسية" و"بدعة لم يعرفها القطر المصري من قبل"، وطالب بالإعدام دون تردد.
وقبل النطق بالحكم…
طلبوا منه أن يقول أمام المحكمة إنه قتله عن طريق الخطأ، وإنه لم يكن يقصد القتل، وإنه نادم على ما فعله… وقالوا له: "قلها… وسنخفف عنك الحكم، حتى لا توقعنا في حرج أمام الناس."
نظر إليهم بابتسامة ساخرة، وقال بهدوء:
"حاضر."
لكن حين وقف في قاعة المحكمة،
وقف إبراهيم الورداني، ثابتًا كالجبل، ونظر إلى القضاة، ثم قال بصوت هادئ لكنه يهزّ القلوب:
"أنا أعترف أنني قمت باغتياله، وأنا غير نادم،
ولو عاد الزمن ألف مرة، سأقوم بنفس العملية،
هذا شرف من أجل بلدي… وأهل بلدي."
وما إن أكمل كلماته، حتى نظر إليه القاضي وقال بصوت رسمي صارم:
"لقد حكمنا عليك بالإعدام شنقًا."
وفي فجر 28 يونيو…
شنقوه.
لكن صوته لم يُشنق.
روحه لم تُدفن.
اسمه لم يُمحَ.
نزل المصريون للشوارع يغنون، يرفعون صوره، ويهتفون:
"قولوا لعين الشمس ما تحماشي… أحسن غزال البر صابح ماشي."
إبراهيم الورداني لم يكن يبحث عن مجد شخصي،
بل كتب أول سطور النضال بدمه،
وقال لنا جميعًا:
إن الشجاعة لا تحتاج سنوات… بل تحتاج قلبًا لا يخاف، وضميرًا لا يساوم.
رحم الله إبراهيم الورداني… اسم لا يجب أن يُنسى.

38 مشاهدة