قَلبٌ مِن وَرق... قصة قصيرة
من مجموعتي القصصية(خلفَ المَرايا)
بَعدَ أيَّامٍ قَضيتُها في عُزلتي دُونَ طَعامٍ أو شَراب، قَرَّرتُ أن أنفضَ عنِّي غُبارَ الذِّكرَياتِ، وأدفنَ جِراحي في قَلبي، مُتناسياً كُلَّ آلامي...
نَعم، سَأقفُ عَلَى قَدَميَّ مُجدَّداً، ولن ألتفِتَ إلى الوَراءِ.
قُمتُ بِحلاقةِ ذَقني، وارتَديتُ معطفي وتَعطَّرتُ، وانطلقتُ إلى السُّوقِ المُجاورةِ؛ لأشتريَ طَعاماً للعشَاء.
رغمَ كُلِّ الأطعمةِ الَّتي تُسيلُ لُعابَ الجَائِعينَ، لَمْ أجد مِنها ما يُغريني، احتَرتُ كَثيراً، وتَردَّدتُ أكثرَ، مَاذا سَأختارُ؟
ولكنَّني قَرَّرتُ أخيراً، واختَرتُ البيتزا.
اشتريتُ وجبةً تكفي لشخصَين!.. أعطيتُ النُقودَ للبائعِ، شَكرتُهُ وغَادرتُ المحل.
وقفتُ على بُعدِ خطوتين منَ البائعِ أسألُ نَفسي: ما الَّذي دَفعني لِشراءِ البيتزا؟! أنا لم أحُبها يوماً، ولم أستَسغْ طَعمَها من قَبل، فأجَابني قَلبي: أنَسيتَ أنَّها تُحبُّ البيتزا كثيراً.
- ولكنَّها لم تَعد موجودةً الآن! أم نَسيتَ أنَّها رَحلَتْ وتَركت لنا الجِراح؟
حسناً، لَيسَ مُهماً، فأنا لا أشعرُ بِرغبةٍ في الطَّعام.
أكملتُ طَريقيَ في السُّوقِ غَيرَ مكترثٍ، وبَينما كُنتُ أتَجوَّلُ، نَظرتُ إلى الجِهةِ الأُخرى مِنَ الشَّارعِ، فَلمحتُ بَائعَ الزُّهورِ.
لم أجد نَفسي إلَّا وأنا أمَامَ بَائعِ الزُّهورِ، وقَد سَاقَتني قَدماي دُونَ تَفكيرٍ، وطَلبتُ مِنهُ أن يُنسِّقَ لِي طَاقةً من الزهورِ؛ لأُهدِيها لَها كَما كُنتُ أفعلُ عَادةً.
ولكنَّني تَذكَّرتُ مرَّةً أُخرى أنَّها لَم تَعُد مَوجودة، وأنَّها دَاسَت عَلى قَلبي ومَضَت، كَما يَدوسُ قِطارٌ سَريعٌ على جَناحِ عُصفورٍ صَغيرٍ ويَبتُرهُ، فَلا يَستطيعُ بَعدها التَّحليقَ في الأفقِ البَعيدِ.
هِيَ تُفضِّلُ رَائحةَ العُطورِ الفَرنسِّيةِ الفَاخرةِ على رائِحةِ الزُّهورِ، وصَوتَ رَنينِ أسَاورِ الذَّهبِ في مِعصَمَيها عَلَى صَوتِ مُوسِيقى بَاخ وبِيتهوفن ومُوزارتَ معاً.
إنَّها تُؤثِرُ النَّومَ عَلَى سَريرٍ وَثيرٍ، ووِسَادةٍ مِنَ الحَريرِ على النَّومِ على صَدري، وتُفضِّلُ السُّكنى في بَيتٍ فَخمٍ بِأثاثٍ أنيقٍ، على السُّكنى في قَلبي والجُلوسِ على عَرشهِ، وتُحبُّ السَّفرَ والتِّجوالَ حَولَ العَالمِ أكثَرَ مِنَ السَّفرِ بَينَ قَصَائِدي الغَزليِّةِ.
أيقَنتُ في هَذهِ اللحظةِ أنَّ قَلبي هَشٌّ كَالوَرقِ الَّذي أُدوِّنُ عَليهِ خَربَشاتي، وعَرفتُ أنِّي لَن أستطيعَ التَّحرُّرَ مِنها.
حَملتُ طَاقةَ الزُّهورِ وعُلبةَ البيتزا، ولَملمتُ خَيباتي مُتَّجهاً إلى مَنزلي المُتواضِعِ الَّذي لا يَليقُ بِمثلِها، وقَرَّرتُ أن أعُودَ لِعُزلتي الَّتي تَليقُ بِي...
7 مشاهدة