من إحدى الرسائل إلى أحد الأفاضل
أدب نقد الشعر
أيها الفاضل:
السلام عليكم...
اعلم أن النقد فن شريفٌ وأن مِن امتهان الفن الشريف إعمالُه في المادة الرديئة وحدها مِن غير داع. بل وأن يتصدر لإعمالِهِ بداءة غيرُ المتأهِل لإعماله لا في رديء ولا شريف ، وأنا لا أعدو أن أكون محباً للنقد حُبي لسائرِ ما في تراثنا من فنون وعلوم وصناعات، وليس الحب وحده مما يؤهلُ المحب للتمتع إلا ببعض مزايا محبوبِهِ وهذا معلوم متقرر عند كل عاقل اضطراراً.
فمتى كان الأمر على هذا النحو، فإنه يطَّرِد عندك مع هذا الذي تقرر أنه لا أنا ولا أكثر أهل هذه الساحة متأهل لينقدَ شيئاً مِن الشعر نقداً أدبياً رصيناً، إذ الغلبة الغالبة منا لم يتجاوزوا عتبة حب النقد إلى ممارستِهِ بحقه، ولكن الغش هين سهل وبيع الوهم أسهلُ مِنه، وكل مدَّعٍ لأمر في هذه الفترة صار يجد لدعواه أتباعاً ومؤيدين أغوى من صاحب غزية، فما لمثلي ومثلك ممن يحب النقد إلا ألا يتصدر لما لا يقدِر، وألا يدعي ما لا يملك، وألا ينساق لا للموافق ولا للمخالف في شيء يدَّعيه أحدهما حتى يُفتِّشه بما عنده من عقل وآلة وطبع سليم.
فهذا التفتيشُ هو حظي وحظ كل محب للنقد من النقد والزيادة عليه تتطلب التزاماً بما يسقم الجسد وينسي الوالد والولد مِن تحصيل ومراجعة وحفظ وفهم وتطبيق ...إلخ، يتأهل بها من يصبر عليها للنقد الأدبي الأصيل.
وقد روى أبو أحمد العسكري في كتابه المصون في الأدب فقال: قال أبوبكر:
نقد الشعر وترتيب الكلام، ووضعه مواضعه، وحسن الأخذ، والاستعارة، ونفى المستكره والجاسي صنعةٌ برأسها، ولا تراه إلا لمن صحّت طباعهم، واتّقدت قرائحهم، وتنبهت فطنهم، وراضوا الكلام، ورووا وميَّزوا.ا.ه
وهذه أمور لا تصدق إلا على الكبار في هذا الزمن، أو مَن يسير على طريقهم من خلفهم قريباً منهم.
أما أنا وأنت إنما نفتش لكي لا يضلَّنا مضل ويخدعنا مخادع، وقد نسمي هذا التفتيش نقداً تجوزاً للشبه بينه وبين النقد الحق، فإن وجدتني أنسب لنفسي "نقداً" لشيء فيما سيصلك فاعلم بأن قصدي منه هذا التفتيش، وهو أخو النقد الأصغر فلا تستنكر عليَّ إن وجدتَ فيه مطابقةً له في بعض طرق إيرادِه.
وأما بعدُ...
فقد كنتَ أشرتَ عندي إلى استحسانك ما رأيتُ استقباحَه، ووسمتَ بالجزالة ما رأيتُ فيه الركاكة، وقد تقدم كلامي إليك هاهنا على امتهان النقد بإعمالِه في المادة الرديئة وحدها، فإن النقد يُعمَلُ في المادة المشوبة المختلطة ليميز به الناقد بين جيدها ورديئها، ولا يُعمِلُه في المادة الرديئة وحدها إلا لغرض دعا لذلك -وأندِر به- وإلا فإنه يحصِّل بذلك حاصلاً لا فائدة فيه، والمفاضلة بين الرديئَين مما لا يكثر انشغال العقلاء به، وإنما يفاضلون بين الجيدَين.
وقد عرفتَ رأيي في شعر صاحبك، وقد أخبرتك بأنه ما ما لي مِن كلام أسوقه إليه بعد ذلك، فإذن كل ما سأكتبُه إليك فيما سيستقبلنا من الزمان بإذن الله إنما يكون عن المسائل التي أثيرَت في هذا الحيز مجرَّدةً مِما قد ارتبط بها من الصوارف التي عرضت لطالب الفائدة في كلامنا الذي خالفنا به صاحبك، ولكن نمثل بالأمثلة إن احتجنا.
أسأل الله لي ولك التوفيق والسداد.
8 مشاهدة