تابع للسابق
خاتمة الأمر.
قد عقد ابن طباطبا في كتابه عيار الشعر فصلاً أسماه: الأبْيات المُسْتكرهَةُ الألْفاظِ، المُتَفَاوتةُ النَّسْج، القَبِيحَةُ العِبَارةِ الَّتِي يَجِبُ الاحْترَازُ من مِثْلها. ا.ه
وكما ترى بعين فطنتك مرادفة هذه المسميات للمسميات التي تقررت بيننا في ما سبق، فالألفاظ المستكرهة تفيد التكلف، وتفاوت النسج يفيد الركاكة، وقباحة العبارة تفيد تتبع الوحشي ونحوه، وقد مثَّل لها بأمثلةٍ سأنقل لك بعضها مما إذا عرفتَ موضع الضعف فيه تذوقاً استطعت أن تقيس عليه شعر مَن يدعي قول الشعر هنا فتتعرف على مثل هذه المواضع فيه فتعرفَ بذلك ضعفه إن وجدته، ومِن أمثلة ابن طباطبا في فصله هذا قول الأعشى :
أفي الطوفِ خفتِ عليَّ الردى
وكم من ردٍ (أهلَه لم يرِمْ)
أي لم يفارق، وما بين القوسين هو محل الضعف لما فيه من قلبٍ يفسدُ تركيب الكلام ويوهم اشتراك المعاني، وأصل كلامه لم يرِم أهلَهُ أي عن أهله.
وكقول الراعي:
ولما أتاها حبترٌ بسلاحه
مضى غير مبهورٍ (ومنصلَهُ انتضى)
يريد وانتضى منصلَه.
وكقول عروة بن أذينة:
وأعْمَلْتُ المَطِيَّةَ فِي التَّصَابي
رَمِيضَ الخُفّ دامِيَةَ الأطلِّ
أقولُ لَهَا: لهَانَ عليَّ فِيمَا
أَحِبُّ فَمَا اشتكاؤكِ أنْ تكَلِّي
وهو يريد: أقول لها لهان عليَّ فيما أحب أن تكلي، فما اشتكاؤك؟!
وكقول النابغة:
يُصَاحِبْنَهُمْ حَتَّى يُغِرنَ مُغَارَهُمْ
مِن الضَّارِيَات بالدِّمَاءِ الدَّوارِب
وهو يريد الضاريات الدوارب بالدماء.
والأمثلة التي أوردها كثيرة تجدها في كتابه عيار الشعر، وهذا القلب الذي أُشِيرَ عليك به هو موضع الضعفِ في هذه الأبيات؛ إذ يوقع فيها اشتراك المعاني في دلالة الألفاظ عليها فيدخل في نسق معنى البيت معنى يُفهَم معه وهو منافر له غير متسق مع نسَق معناه الأصلي، وردِّد قراءة الأمثلة أعلاه على فكرك يتضح لك هذا.
ولكن عندما يضطر الكلامُ الشاعرَ إلى الإذعان والانقياد له عندما يقص قصة أو يحكي حكاية، فعليه حينئذ كما قال ابن طباطبا بنص كلامه: "يَبْني شِعْرَهُ على وَزنٍ يَحْتَمِلُ أَن يُحْشَى بِمَا يحتاجُ إِلَى اقتصاصه بزيادةٍ من الكَلامِ يُخلطُ بِهِ أَو نَقْصٍ يحْذَفُ مِنْهُ، وتكونُ الزَّيادةُ والنُّقْصانُ يَسِيرينِ غير مُخدجَيْنِ لما يُسْتَعانُ فِيهِ بهما، وَتَكون الألفاظُ المَزِيدةُ غَيرَ خَارجةٍ من جِنْسِ مَا يَقْتَضِيهِ بل تكونُ مؤَيدةً لَهُ وزائدةً فِي رَوْنقهِ وَحُسْنِهِ (وهذا ما نقص في أبيات الأمثلة السابقة إذ أثرها على معنى البيت عكس هذا الأثر) كَقَوْل الأعْشَى فِيمَا اقتَصَّهُ من خَبرِ السَّموأل فقَال:
(كُنْ كالسَّموألِ إِذْ طَافَ الهُمَام بهِ ... فِي جَحْفَلٍ كَزُهَاء الَّليلِ جَرَّارِ)
بالأبْلِق الفَرْدِ من تَيماءَ مَنْزِلُهُ ... حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ غَدَّارِ)
(إذْ سَامَهُ خُطَّتَيْ خَسْفٍ، فَقَالَ لَهُ: ... اعْرُضْ عَليَّ كَذاَ أَسْمعهُمَا، حَارِ)
فَقَالَ: غَدْرٌ وثُكْلٌ أنتَ بَينهمَا ... فَاخْتَرْ، وَمَا فيهِما حَظُّ لمُخْتَارِ)
(فَشَكَّ غَيْرَ طَوِيل ثمَّ قَال لَهُ: ... اقُتَلْ أسِيركَ إنَّي مانِعُ جَارِي)
(إنَّ لَهُ خَلَفاً إنْ كنتَ قاتِلَهُ ... وإنْ قَتَلْتَ: كَرِيماً غير عُوَّار)
(مَالاً كَثيراً وعِرْضاً غير ذِي دَنَسٍ ... وإخوَةً مِثْلهُ لَيسُوا بأشرارِ)
(جَرَوْا على أدبٍ مِنَّي فَلَا نَزَقٌ ... وَلَا إِذا شَمَّرَتْ حَرْبٌ بأغْمَارِ)
(وسَوْفَ يُخْلفُهُ إِن كنتَ قاتلهُ ... رَبٌ كَرِيمٌ وبيضٌ ذَات أطهارِ)
(لَا سِرُّهُنَّ لدَيَّ ضَائِعُ مَذِقٌ ... وكاتِمَاتٌ إِذا استُودِعْنَ أَسْراري)
(فَقَالَ تَقْدِمَةً إْذْ قَامَ يَقْتُلُهُ ... أشْرِفْ سَمَوْأل فانْظُرْ للدَّم الجَاري)
(أأقْتلُ ابْنَكَ صَبْراً أَو تَجِيء بَها ... طَوْعاً، فأنْكَرَ هَذَا أيَّ إنكاري)
(فشَكَّ أوداجَهُ، والصَّدرُ فِي مَضَضِ ... عَلَيهِ مُنْطَوِياً كاللَّذع بالنَّار) ....إلخ
فانظُرْ إِلَى اسْتِوَاء هَذَا الْكَلَام، وسهولةِ مخَرجهِ، وتَمامِ مَعَانِيه، وصِدْقِ الحكايةِ فِيهِ، ووقُوعِ كلِّ كلمةٍ مَوْقِعَها الَّذِي أُرِيدَتْ لَهُ؛ من غير حَشْوٍ مُجْتَلبٍ، وَلَا خَلَلٍ شَائنٍ." ا.ه
فهذا نص كلام ابن طباطبا، وهذه هي الزيادة التي لا تكون حشواً، فأنت تقرأ هنا قصة السموأل حين ضن بأمانة امرئ القيس عنده مقابل أن يُذبَح ابنه فتستغني عن استماعها نثراً لاشتمال الأبيات على خبرها كله بأوجز كلام.
ومرة أخرى كالعادة، تجد الناظم هنا إذا كتب محاكياً طريقة القص هذه فأخطأها ووقع في الطريقة الأولى من قلب الكلام على وجه قبيح ونحوه، لم يرَ ذلك ولم يقبل مِن أحدٍ أن ينسب أبياته إلى غير ما كانت نيتُهُ أن تكون عليه، وكأنه يقول: إنما الأشعار بالنيات، ولا يستحي الواحد منهم أن ينظم ما لو فتشته لم تشك في أن صاحبَهُ إن كان فحلاً مقتدراً أنه قد تعمد محاكاة الساقط من شعر الجاهليين وحدَهُ، وإلا فليس هو بمقتدر على الشعر ولا يعرف الشعر لأن الساقط من الشعر يأتي به الشعرور -وهو أضعف أنواع الشعراء- سليقةً بل لا يستطيعُ ما هو أعلى منه أصلاً فهو مبلغه من الشعر ونصيبه منه، وليس في محاكاة الساقط من شعر الجاهليين من فضلٍ ولا محمدة، بل هذا مذموم غاية الذم لما يجتمع فيه من تكلف محاكاة الساقط، والتكلف وحده مذموم فكيف إذا كان يتكلف محاكاة الساقط؟! فهذه ظلمات بعضها فوق بعض كما ترى.
ومنهم مَن يحاكي الأساليب العريقة الفخمة في كتابة أغراض الشعر، محاكاةً ضعيفة، فإن أنكرتَ عليه ضعفها، ظنَّ أنك غريب عن نمط هذا الأسلوب فرماك بالجهل به وإلا ما كنتَ أنكرت أسلوبَه، والحق أنك لم تنكر الأسلوبَ بل ضعفَ محاكاته هو للأسلوب.
فمثلاً إن قرأتَ لأحدهم شعراً كرر فيهِ اسم محبوبته تكراراً كثيراً على وجه غير مستساغ فأنكرت عليه ذلك لظن أنك غريب عن غرض تكرار الاسم في الأشعار وأن مبلغ علمك في البلاغة عن التكرار أنه مذموم، وغاب عن فهمك لجهلك ورقي شعره أن التكرار يأتي لأغراض أخرى منها التلذذ بإعادة ذكر المحبوبة، ولكن أنت إنما قصدتَ عدم إجادتِهِ لهذا الغرض، ووقوعه في المذموم الذي ظن أنه فارقَه، وقد جاء في الخبر أنه جاء رجل إلى خلف الأحمر، فقال: إني قد قلت شعرا أحببت أن أعرضه عليك لتصدقنى عنه. قال: هات. فأنشده:
رقد النّوى حتى إذا انتبه الهوى ... بعث النوى بالبين والتّرحال
ما للنوى جدّ النوى قطع النوى ... بالوصل بين ميامن وشمال
فقال له خلف: دع قولى، واحذر الشاة، فو الله لئن ظفرت بهذا البيت لتجعلنه بعراً! (أي تأكله).
وإني لأعلم أقواماً إن أتو بمثل هذين البيتين أقاموا الناس وأقعدوهم، فانظر كيف سخِر خلف الراوية الإمام منهما!!.
وهناك مَن يقلدهم في سرد القصص الطويلة ويحتج كعادته التي ذكرناها بمجرد محاكاته للأسلوب، وهو محاكاتُه رديئة فإن أُنكِرت عليه، فأنت تعرف ما سيفعل إذن.
الواحد منهم يقرأ كلام الشيخ محمود شاكر رحمه الله في نقد القصائد وحديثه عن تشعيث زمن أبيات القصيدة ونحو ذلك من كلامه فيعجبه فهمه له فيعمد إلى ممارسة ما فهمه فيأتي به هزيلاً ركيكاً ولكنه لا يرى فيه إلا صورتُه التي كانت في ذهنه فهو معجب به يرى فيه تمام القصيدة العربية القديمة وكمالها وهي هراء محض، وقد يرى الإنسان الدراجة لأول مرة فيريه العارف به طريقة عملها فيفهم منه ذلك فإذا قام إليها يجربها سقط وتعثر، غير أننا لم نر عاقلاً يقع له هذا فيقوم فرحاً من سقطته بقيادته لها بعدد الثواني التي صادفته وهو يترنح من فوق الدراجة ولم تصر هي من فوقه بعد، ولكن نرى كل يوم هنا مَن يقع له هذا في الشعر وهو واهم غارق في الوهم شديد الفرح.
وأما ما سألتني عنه ممن يحاكي الجاهليين فيأتي مع ذلك بالحسن البديع، فهذا غير مستغرَبٍ ولكن يبدو هذا لأن حديثنا في ذم فساد محاكاة الشعارير للجاهليين بلغ حده وإن زدنا عليه لظننا الناس نقول باستحالة إحسان محاكاة القوم.
ولكن مع ذلك فهذا ميدانٌ غير مربح في الشعر، ولا يحبذ النقاد تعمد محاكاتهم خاصة في وصف ما كانوا يصفونه مما ليس في واقعنا اليوم وقد تهكم السقاف صاحب كتاب العود الهندي في كتابه هذا بمن يصف الناقةَ في شعره على طريقة العرب وهو لم يركبها من قبل ولم يعش معها.
وأتركك مع كلام للأديب المصري الكبير الكردي الأصل أحمد تيمور باشا في مثل معنى كلام السقاف إذ يقول في رسالته الصغيرة التي بعنوان (أوهام شعراء العرب في المعاني):
فمن أسباب الوهم في المعاني جهل الشاعر بما يذكره لبعده عنه، فتراه يأتي به على غير حقيقته، ويضعه في غير موضعه، أو يبهم في وصفه فلا يدنيه منك ولا يبعده، كالحضري الذي لم يسبق له التبدي، والبدوي الذي لم يتحضر، فإنهما قلما يستطيع أحدهما أن يذكر ما عند الآخر فيصيب فيه، أو يصفه فيحسن الإفصاح عنه لأنه إنما يذكر ما لم يعرفه، ولم يره إلا بسمعه. حكى صاحب الأغاني عن الكميت أنه قال: لما قدم ذو الرمة أتيته فقلت: إني قد قلت قصيدة عارضت فيها قصيدتك:
(ما بال عينك منها الماء ينسكب)
فقلت:
هل أنت عن طلب الأيفاع منقلبُ ... أم كيف يحسن من ذي الشيبة اللعب؟
حتى أنشدته إياها، فقال لي: ويحك! إنك لتقول قولاً ما يقدر إنسان أن يقول لك: أصبت ولا أخطأت، وذلك أنك تصف الشيء فلا تجئ به، ولا تقع بعيداً عنه، بل تقع قريباً. قلت له: أوتدري لم ذلك؟ قال: لا، قلت: لأنك تصف شيئاً رأيته بعينك، وأنا أصف شيئاً وصف لي، وليست المعاينة كالوصف. قال: فسكت. انتهى.
وأسعد الله مساءك ...
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
6 مشاهدة

