تابع لما سبق
الجزالة والركاكة
اعلم أن الجزالة توصف بها الكلمة أو الكلام المتماسك القوي الدلالة على المعنى المُرَاد به وأن تكون المعاني كذلك في القوة، والركاكة عكس الجزالة وعلتها استعمال الألفاظ المتداولة الممتهَنة والمهمَلة، والمعاني البالية، على نحو ممتَهَن.
فما كان من الشعر متماسكاً يأخذ بعضُهُ برقاب بعض لا تأخذ من بنائه كلمةً إلا ضعف معناه وانهار بناؤه، فما كان هكذا من الشعر فهو الجزل وما كان عكسه فهو الركيك.
فمثال الشعر الجزل قول زهير:
سئمتُ تكاليف الحياة ومَن يعش
ثمانين حولاً لا أبا لك يسأمِ
رأيتُ المنايا خبط عشواء مَن تُصِب
تُمِتهُ ومن تخطئ يعمر فيهرمِ ...إلخ أبياته
وكقول القطامي:
يقتلننا بحديث ليس يعلمه
مَن يتقين ولا مكتومه بادي
فهن ينبذن من قولٍ يُصِبنَ به
مواقعَ الماءِ من ذي الغلة الصادي
وكقول المثقب العبدي:
فلا تَعِدي مواعدَ كاذبات
تمر بها رياح الصيف دوني
فإني لو تعاندني شمالي
عنادكِ ما وصلتُ بها يميني
إذن لقطعتها ولقلت بيني
كذلك أجتوي مَن يجتويني
...
فإما أن تكون أخي بحقٍ
فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحنيَ واتخذني
عدواً أتقيك وتتقيني
وأما مثال الركيك فكالقول الذي ينسبه الناس اليوم إلى امرئ القيس جهلاً:
رجل وما استسلمتُ قط لفارسٍ
مالي أمام عيونها مستسلم
أأعود منتصراً بكل معاركي
وأمام عينيها البريئة أُهزمُ
ونسبتهم إلى الأصمعي أيضاً:
صوتُ صفير البلبلِ ... هيج قلبي الثملِ
......
لكن مشيتُ هارباً ... من خشية العقنقلِ...إلخ
فهذا كلام ساقط كما ترى وقد اجتمع فيه استعمال الألفاظ الممتهنَة والمهملَة، ثم إن جزالة الأشعار في نفسها تتفاوت، وكذلك ركاكتها.
ومَن الفهم الفاسد الذي يلجأ إليهِ الناظمون في معنى الجزالة اليوم أن جعلوها في معنى أن يحاكي الناظم ما عُرِف مِن النصوص بالجزالة، سواء أتى بكلام جزل في هذه المحاكاة حقيقة، أم أتى بالركيك الرذل، فمجرد ظهور أثر المحاكاة تكفيهِ في رأيهِ أن يقول في نصها إنه جزل!!
وغالب مَن يرى هذا الرأي منهم لا يأتي في محاكاته إلا بالركيك فإن ارتقى عنه فبالعادي ولا يبلغ الجزالة ولا يجد ريحها إلا أن تتفق له من غير قصد منه أو اقتدار في البيت والبيتين.
واعلم أنني لا أستطيع أن أملكك آلة ما تميز به بين الجزل والركيك من الشعر ولا صفاته الأخرى ولا غيري يستطيع، ولكن هي ذائقتك فمتى أشبعتها من كلام النقاد وشعر العرب العالي قويت على التمييز بذاتها، ومتى أجَعتَها من ذلك اقتصرت على أحكام غيرها من ذوائق الناس لتأتم بهم ائتمام الأعمى بالبصير، ولكن لا بأس بأن أملككَ ما تستعين به من الآلات الخفيفة على تفتيش ما لا حكم مشتهر فيه من الشعر لتعلم لوحدك أين يقوى وأين يضعف من قبل أن تعرف ما اجتمعت عليه ذوائق أغلب الناس، واعلم أن الأمثلة التي مثلتُ لك بها في الركاكة لو كانت غير مشتهرة فقالها قائل هنا ونسبها لنفسه لرأيتَ تصفيقاً ومدحاً ممن يشايعه ويحابيه، وأن ما أوردتُه لك هنا من أمثلة إنما هو نبذة من كلام طال مضغ أفواه الناس له وهو منتشر في كتب الأدب والنقد وبين الناس هنا ولكن فعلتُ لنتشارك كلنا الأرضية نفسها ليكون كلامنا على سطحها وحدها ولا نطويها إلى غيرها فيتشعب علينا المقصد، واعتبرها من فواتح شهية القراءة في كتب النقد ومشاهدة حركة عقول هؤلاء الأئمة الكبار وهي تدور رحاها على ضروب من العبقريات المطبوعة والمصنوعة ما يجبرك على الاستزادة منه.
وبعدُ فالشعر كما عرفتَ قد ينزل من الجزل إلى العادي ثم إلى الركيك، ولا تُحمَد إلا الجزالة من بين الثلاثة، والكلام على الركاكة يؤدي بنا إلى الكلام على التكلف والوحشي فكلها آخذ بطرف من أخيهِ.
فأما الوحشي فتكون اللفظة وحشية "إذا كانت خشنة مستغربة: لا يعلمها إلا العالم المبرز، والأعرابي القح؛ فتلك وحشية، وكذلك إن وقعت غير موقعها، وأتى بها مع ما ينافرها، ولا يلائم شكلها". وهذا كلام ابن رشيق بنصه في العمدة.
وأخبِرني كم تجد هنا مَن إذا رأيتَه يتحرى من الألفاظ ما كانت هذه صفته، فعرضتَ عليه هذا الحد وعمَّيت عنه اسم صاحبه، ذمَّ رأيكَ ورماك بالجهل وضعف الفهم وقلة المعرفة وأن كلامه قد استعصى على فهمك فأنت تذمه بمثل هذا الكلام!؟.
وكم تجد منهم مَن لا يحسن إيقاع اللفظة موقعها ولا جمعَها إلى ما يلائمها، فهو لا يرى حد الوحشية إلا في غرابة اللفظة سوى عن العالم المبرز والأعرابي القح، ليجوِّز لنفسه أن يأتي بما ورد في القرآن وأشعار الجاهليين فيضعه في موضع لا يلائم فيه شيئا من سابقه ولا لاحقه من غير أن يُنكرَ عليه فعلُه!؟.
وكلامهم في ذم اتباع الوحشي بغية إصابة البلاغة كثير منتشر في كتب النقد أكتفي منه إليك بما قاله إبراهيم بن المهدي لعبد الله بن صاعد كاتبه: "إياك وتتبع الوحشي من الكلام طمعاً في نيل البلاغة؛ فإن ذلك هو العي الأكبر، عليك بما سهل مع تجنبك ألفاظ السفل".
وتتبع الوحشي جزءٌ من التكلف، والتكلف في الشعر هو استكراه اللفظ أو التركيب ليدل على معناه عند المتلقي، فهو منظورٌ إليه باعتبار فهم المستمعين أو القارئين لقصد صاحبه به، فإن تعسر فهمه عُلِم تكلف صاحبه له، ومِن هنا كان غموضُ معنى الشعر الذي يسببه التكلف مذموماً، ولا اعتبار بعد ذلك باقتفاء أساليب فحول الجاهلية ولا الأمويين ولا العباسيين ولا الأندلسيين ولا أصحاب الحداثة، فإن التكلف يفسد أغراضَ الشعرَ الكبرى فلا يتحرك له الناس إن لم يشمئزوا منه.
وسيأتي -فقد أطلتُ عليك واعذرني- في المنشور القادم بإذن الله ما ذمه النقاد والشعراء من الشعر المتَكلَّف والغريب والركيك وما يكون منهما بصدد.
وفقني الله وإياك
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
8 مشاهدة