لا تحزن على من تركك عند أول تعثّر، أو تخلّى عنك في منتصف الطريق؛ فقد تكون هذه إحدى المنح التي خبّأتها لك الظروف، لتكشف لك حقيقةً كنت تجهلها، وتحجبها عنك عاطفتك التي كانت ترى بقلبها قبل أن تُبصر بعقلك.
اشكر الظروف على هذه الهدية، رغم مرارتها؛ فقد كشفت لك ما وراء الأقنعة، وعلّمتك أن ليس وراء كل قناع جميل وجهٌ جميل، وأن المظاهر وحدها لا تكفي للحكم على معادن البشر.
لقد علّمتك التجربة ألّا تغترّ بكل ما يبدو جميلًا، وألّا تمنح ثقتك كاملةً قبل أن تعرف ما وراء ذلك الجمال، وما إذا كان يخفي خلف بريقه صدقًا ووفاءً، أم زيفًا لا تكشفه إلا المواقف.
بل اشكر ذلك الشخص أيضًا؛ لأنه تخلّف عنك في بداية الطريق، وعند أول تعثّر، ولم ينتظر حتى تقطع معه مسافات طويلة، وتبني عليه من الآمال ما يصعب هدمه، ثم تكتشف متأخرًا أن الصورة التي رسمتها له في قلبك لم تكن هي حقيقته.
اشكره، ثم انهض من جديد.
لا تجعل خذلانه نهاية رحلتك، ولا تسمح لرحيله بأن ينتزع منك ثقتك بالحياة؛ فتعثّرك اليوم لا يعني أنك لن تنهض غدًا، وما فقدته من أشخاص قد يعوّضك الله عنه بطمأنينة النفس، وقوة البصيرة، ومعرفةٍ لم تكن لتكتسبها لولا تلك التجربة.
وتذكّر أن الأيام دول، وأن الطريق الذي تعثّرت فيه اليوم قد يأتي يومٌ يتعثّر فيه من خذلك. لكن حينها، لا تجعل ألمك القديم دافعًا للانتقام، ولا تجعل وفاءك السابق قيدًا يُلزمك بإنقاذ من اختار ألّا يكون عونًا لك حين احتجت إليه.
إن رأيته يومًا يتعثّر في منتصف الطريق، فليس عليك أن تكون له عكازًا يتكئ عليه، ولا أن تعود إلى دورٍ أثبتت لك التجربة أنه لم يكن متبادلًا.
امضِ في سبيلك، محتفظًا بكرامتك، دون شماتةٍ أو إساءة، ودون أن تحمل على كتفيك مسؤولية إنسانٍ اختار طريقه بنفسه.
وإن وجدت طريقًا آخر يجنّبك المرور به، فاسلكه ما دمت لا تظلم أحدًا ولا تضرّ بنفسك؛ فليس كل ابتعادٍ كراهية، ولا كل تجاوزٍ انتقامًا، بل قد يكون بعض الابتعاد احترامًا للذات، وحمايةً لسلامك الداخلي.
فبعض الأشخاص تعلّمنا الظروف كيف نحبّهم، ثم تعلّمنا المواقف لماذا كان علينا ألّا نمنحهم كل تلك الثقة.
وليس كل من غادر حياتك خسارة، ولا كل من بقي فيها مكسبًا؛ فالعبرة ليست بمن سار معك أطول مسافة، وإنما بمن صدق معك حين اشتدّ الطريق.
انهض، وتعلّم، وواصل المسير؛ فالحياة لا تتوقف عند رحيل أحد، والكرامة لا تعني أن تكره من خذلك، بل أن تتعلّم من خذلانه ألّا تسمح له بتكرار الوجع نفسه.
7