تابع للسابق
الحشو.
واعلم أن الحشو هو أن يدخل في البيت من الشعر لفظٌ لا يفيدُ معنىً، كما قال ابن رشيق في العمدة، وقال كلمة عزيزة قال: وسماه قومٌ الاتكاء.
وهي تصدق عليه من حيثُ اتكاءُ واضعه عليهِ لإتمام الوزن لا أكثر، وتصدق على غيرهِ من علل الشعر التي تعيقُ لطفَ فهمه وحسنَه، كالتكلف والإغراق والإغراب...إلخ من حيثُ اتكاء الشاعر على المتلقي في فهم المعنى حين لا يضع له في شعره القرائنَ التي وظيفتها أن تمنعَ مباشرة فهم معنى الشعر فلا يكون الشعر فاتراً بارداً لا يُهتز له، وكذلك تمنع استغلاق معنى الشعر فلا يستعصي فهمه على متلقيه، أو حين يضعها بحيث لا تصلح أن تكون قرائنَ مناسبة لموضعها، فكل هذا اتكاء منه على المتلقي وهو مذموم عند النقاد أيها الفاضل، فإن تعسر على المتلقي الفهم فالمذموم الشاعر لا المتلقي.
وكعادة مَن ترى من الناظمين هنا من التعدي على حدود الأحكام النقدية التي تراكم على قبولها عقول وقرائح وأذواق العلماء الأئمة في هذا الأمر، ترى الناظمين يتعدون عليها إذا كانت ممدحة، بتوسيع حدها ليدخل فيها من نصوصهم ما قصر عن دخولها بقوَّته وحْدها، وإذا كانت مقبحة، فبتقليص حدها ليخرجَ منها ما لا يقع إلا فيها من نصوصهم.
وكعادة هؤلاء في هذا الأمر تجدهم يعرِّفون الحشو بما لا يدل على معنىً، ويجمدون على المعنى الظاهر للعبارة؛ ليتسع لأحدهم متى سُئل عن معنى حشو وقع في بيت له، أن يعتبر مجرد وجود معنى للجملة أو اللفظ الذي وقع حشواً يخرجه من الحشو، فيجْردَ للسائلِ إعرابَ مركَّبِ ذلك الحشو بتمامهِ ومعاني لغة ألفاظه ويدور به دورة حول علوم اللغة التي في ذلك الحشو، وفي نهاية الأمر لا يبين له (المعنى الشعري) لذلك الحشو لعدم وجوده، وغياب هذا المعنى الشعري هو ما جعلَ الحشوَ حشواً أصالةً!! لا غياب غيره من معاني لغة الألفاظ أو التركيب النحوي ونحوه، فتلك أساسٌ لا يقوم الكلام بَلْه الشعر من دونها وليست زينة، فيوهم بهذا الفعل جماعة كثيرة ممن لا علم لهم بالشعر ولا النقد إلا ما يُقدم إليهم على موائد التواصل، يوهمهم بذلك الجرد الذي جرَدَه وما يقع في أثناء كلامه فيه مِن ألفاظ توهمهم بأنه قد اتضح المعنى بها، فيعتبرون بذلك أنه قد وضَّح المعنى، وإن كانوا لا يجدون في أنفسهم لتفسيرِهِ وضوحاً يقف بهم على حقيقة ذلك المعنى وإنما يسلمون له على استحياء؛ لجهلهم ولاعتبارهم غرارةً أن فارق ما بينهم وبينه من العلم بالشعر كبير بحيث لا يصح لهم الاستزادة في الاستفهام، فيخشون إن طالبوه بالتوضيح أكثر من مرة أن ينفضحوا، وأن يذمهم ويخلع عليهم التهم والنعوت الذميمة، والمستحي والمتكبر لا يتعلمان، فاعجب لهذا الحال!!.
والذي عليه الأسوياء من الشعراء هو أن الأحكام ثابتة الحدود وإنما الأشعار هي التي تُساقُ إليها لتدخل في حد أحكام المدح منها وتخرج من حد أحكام الذم، وذلك لاقتدارهم على هذه المعالجة، وكل مَن ليس بشاعر تجده يفعل العكس، ينظم ما اتفق له ثم يبدأ في التلاعب بحدود الأحكام، لضعف اقتداره على معالجة الشعر الحق.
وفي المنشور القادم سنوضح ما جعله النقاد سمةً لضعف نظام الشعر ووقع فيه هؤلاء الناظمون فقلبوه سمة للقوة على عادتهم السابقة من تقريب الأحكام وإبعادها عن نصوصهم بحسب حمدها وذمها، وما يرتبط بذلك من الكلام على التكلف وتتبع الوحشي من الألفاظ، ما حده وكيف يقع في شعر الناس اليوم، وما جاء عن النقاد والشعراء في ذم ذلك، وعن محاكات الجاهليين متى تكون محمودة ومتى تكون مذمومة، وكل هذا أردتُ جمعه في منشور واحد ولكن خشية الملال أرجأتُهُ إلى المنشور القادم وهو الأخير بإذن الله.
نلتقي في المنشور القادم بإذن الله، وفقني الله وإياك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
4 مشاهدة