حين أعود
حِينَ أَعُودُ
سَأَعُودُ يَوْمًا،
لَا لِأَنَّ الطَّرِيقَ انْتَهَى،
بَلْ لِأَنَّ قَلْبِي
تَعِبَ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى الْجِهَاتِ.
سَأَعُودُ إِلَى بَيْتٍ
لَمْ يَبْقَ مِنْهُ سِوَى نَافِذَةٍ،
وَإِلَى أُمٍّ
تَرَكَتْ عَلَى الطَّاوِلَةِ
فِنْجَانَ قَهْوَةٍ بَارِدٍ
وَقَالَتْ لِلْغِيَابِ:
«سَيَأْتِي».
سَأَعُودُ،
وَفِي يَدِي مِفْتَاحٌ صَدِئٌ،
وَفِي جَيْبِي
رِسَالَةٌ لَمْ تَصِلْ،
وَفِي عَيْنَيَّ
مَدِينَةٌ كَامِلَةٌ
تَبْحَثُ عَنْ اسْمِهَا.
يَا أَيُّهَا الْوَطَنُ الْبَعِيدُ،
كَمْ مَرَّةٓ
احْتَجْتُ أَنْ أَرَاكَ
كَيْ أَعْرِفَ أَنَّنِي
مَا زِلْتُ أَنَا؟
كُلَّمَا مَشَيْتُ
خُطْوَتَيْنِ نَحْوَكَ،
أَبْعَدَتْنِي الْمَنَافِي
خُطْوَةً أُخْرَى.
لَكِنَّنِي لَمْ أَنْسَ
رَائِحَةَ التُّرَابِ بَعْدَ الْمَطَرِ،
وَلَا صَوْتَ أَبِي
حِينَ كَانَ يَقُولُ:
«الْأَرْضُ لَا تَنْسَى أَبْنَاءَهَا».
فَهَلْ تَنْسَى الْأَرْضُ
مَنْ غَابُوا؟
أَمْ أَنَّهَا،
مِثْلَ الْأُمِّ،
تُخْفِي أَسْمَاءَهُمْ
تَحْتَ التُّرَابِ
كَيْ لَا يَسْرِقَهَا أَحَدٌ؟
أَنَا ابْنُ هَذَا الْغِيَابِ،
لَكِنَّنِي لَسْتُ ابْنَ الْهَزِيمَةِ.
سَأَحْمِلُ مَا تَبَقَّى مِنِّي
وَأَمْضِي.
فَإِنْ لَمْ أَجِدِ الطَّرِيقَ إِلَيْكَ،
سَأَصْنَعُ مِنْ خُطَايَ طَرِيقًا.
وَإِنْ أُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ،
سَأَطْرُقُ قَلْبَ السَّمَاءِ.
وَإِنْ قَالُوا:
«انْتَهَى كُلُّ شَيْءٍ»،
سَأَقُولُ:
لَا.
مَا دَامَ فِي الصَّدْرِ
نَفَسٌ وَاحِدٌ،
فَثَمَّةَ حِكَايَةٌ
لَمْ تُكْتَبْ بَعْدُ.
وَمَا دَامَ فِي اللَّيْلِ
نَجْمَةٌ وَاحِدَةٌ،
فَثَمَّةَ صَبَاحٌ
يَسْتَحِقُّ الِانْتِظَارَ.
وَمَا دَامَ لِي
اسْمٌ أُنَادِي بِهِ نَفْسِي،
فَأَنَا لَمْ أَضِعْ.
أَنَا فَقَطْ
كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ وَطَنٍ
يُشْبِهُ قَلْبِي.
وَحِينَ أَعُودُ،
لَنْ أَسْأَلَ أَحَدًا
أَيْنَ الطَّرِيقُ.
سَأَقُولُ لِلْمَدِينَةِ:
أَنَا هُنَا.
فَافْتَحِي لِي
ذَاكِرَتَكِ.
✍️ محمد الموسى