ظلالٌ على جدار الذاكرة
ظلالٌ على جدار الذاكرة
في زاوية المقهى القديمة، حيث يتكئ الضوء على الجدران كما تتكئ الذكريات على الروح، جلستُ أراقب الناس يمرّون كأنهم ظلالٌ هاربة من لوحةٍ نسيها رسّامها.
لم أكن أنتظر أحداً، ولم أكن أنتظر شيئاً. كنت فقط أحاول أن أسمع صوت الصمت الذي يملأ الفراغ بين رشفةٍ وأخرى. الصمت ليس فراغاً، كما يظنّون. الصمتُ لغةٌ كاملة، لها نحوُها وصرفُها واستعاراتُها. هو الذي يروي ما تعجز عنه الكلمات حين تتعب من كثرة الاستخدام.
تذكّرتُ فجأةً بيتاً قديماً في حارةٍ ضيقة، كان فيه جدارٌ متشققٌ يحمل آثار أيدٍ صغيرةٍ رسمت عليه يوماً ما شمساً صفراءً وقمراً أعوج. اختفت الأيدي، وبقي الجدار. والجدار لا ينسى. الجدران تحتفظ بكلّ ما نحاول نسيانه: ضحكةٍ مرّت، دمعةٍ سقطت في غفلة، وعدٍ قيل همساً ثمّ ذاب في الهواء.
نحن لا نموت مرّة واحدة. نموت كلّما نسينا وجهاً كان يضيء لنا الطريق، أو كلّما أغلقنا باب غرفةٍ كانت تحتوي على رائحة شخصٍ غادر. والذاكرة، هذه الخائنة النبيلة، تختار ما تحتفظ به بعشوائيةٍ قاسية. تحتفظ برائحة المطر على ترابٍ بعيد، وتنسى اسم الشارع الذي مشينا فيه معاً.
في المقهى، رفعت فنجان القهوة إلى شفتيّ. كان مرّاً كما ينبغي للذكريات أن تكون. نظرت إلى النافذة، فرأيت انعكاسي باهتاً فوق الشارع المزدحم. كأنني كنت هناك ولست هناك في آنٍ واحد. كأنني ظِلٌّ يبحث عن صاحبه الذي غادر منذ زمن.
وربّما هذا هو الأدب كلّه: أن نجلس في مكانٍ ما، ونكتب عن أشياء لم تعد موجودة، ونحاول أن نُقنع الظلال بأنها ما زالت تملك أجساداً.
أن نكتب، لا لأننا نريد أن نُخلَّد، بل لأننا نخشى أن نُنسى قبل أن ننتهي من قول ما يجب قوله.
✍️ محمد الموسى
7 مشاهدة