لقد توفيت منذ ساعتين تقريبًا، أنا الآن ملقى هناك في تلك الزاوية ولا أعلم ماذا يدور حولي، الكلّ من حولي حزين ويبكي ولا أدري لماذا، الكل ينظر إليّ بحزن وتحسر ولا أحد يطيل النظر، هناك من ينظر إليّ ويمر بحزن وهناك من يختلس النظر ربّما ليرى كيف يبدو الميت، وهناك من يطيل النظر ربّما ليتعظ بموتي، الكلّ من حولي الآن يفكرون بحزن، يراجعون أنفسهم، يقررون أن يتوبوا إلى الله في هذه اللحظة، كلّ من يراني أو يسمع ما جرى لي يدعو بالرحمة لي وبالصبر لأهلي، أصدقائي وأحبابي وأهلي لم يتقبلوا الخبر ولم يصدقوا أنني مت وفارقتهم إلى الأبد، البعض يقول من شدة الصدمة البارحة فقط كنت معه، وآخر يقول في الصباح فقط رأيته، وصديقي قال قبل ثلاثة ساعات فقط كنت أتحدث معه في الهاتف، وأمي تقول وهي غير مُصدقة خبر رحيلي قبل قليل فقط خرج من البيت.
لقد توفيت وغادرت الدّنيا فكفى بموتي واعظًا لكم، توبوا إلى الله، صلوا صلاتكم، راجعوا أنفسكم، أعدوا العدة، وافعلوا الخير، وأكثروا من الصدقة، فلن تنفعكم إلا أعمالكم، تزودوا لما بعد الموت.
سأُغسل وأُكفن ويُصلى علي وأُحمل على الأكتاف ليس إلى مثواي الأخير، فالمثوى الأخير إما الجنة -أسأل الله أن أكون من أهلها- أم النّار، سأحمل إلى القبر -البرزخ-، سأُدفن وحدي، سأترك خلفي أموالي وأهلي وكل ما أحبّ، سأترك أعمالًا كنت أريد عملها وأشخاصًا كنت أريد الاعتذار منهم، سأدخل القبر أنا وأعمالي فقط.
ها أنا الآن أُوضع في القبر، وها هُم النّاس يُهِيلون علي التراب، أهلي مازالوا يبكون هناك غير مصدقين أنني مت، دُفنت وبدء النّاس ينفضون من حولي، وبدأت أشعر بالوحدة وبالظلمة فسلوا لي الرحمة والمغفرة.
أعرف أن أهلي وأصدقائي كانوا يحبّونني وكانوا يتمنون دائما لي الخير، وأعرف تعلقهم بي، لكن سينسوني بعدة مدة من الزمن، سيكملون حياتهم بدوني، سيذهب كلٌّ منهم في طريقه، سيتعودون على غيابي وربّما لن يلاحظوا ذلك أصلا، سيذكرني البعض بدعوة، وسأكون ذكرى جملية في مخيلة أحدهم، وسيقول آخر لقد كان شخصا طيبًا، وسيقولون كان وكان وكان، ومع هذا سأكون دائما شخصًا عابرا بالنسبة للجميع، ففي الآخير "مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا" كما قال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم.
لقد مُت فكفى بموتي واعظًا لكم...
- نورالدين ماحية.
3