غاب عني بابا حنيني
مرت أربعون يوماً ولم أنجح في البكاء.. فقد أدبر الدمع بعد أن استجمعت قواي وحبسته في اليوم الأول.. وزاد إصراره إصرارا.. كلما مر يوم إضافي وحرمت البكاء على نفسي.. بحجة أني قوية وأن علي التماسك لتتماسك عائلتي أمام الكارثة..
كذبت على نفسي.. أخبرتها أن أبي سافر بعيداً جداً.. قلت لها أنهم يكذبون فهو ليس ميتاً.. كذبت.. وأنا الى اليوم وبعد سنوات وسنوات أصدق كذبتي الأولى.
في الجامعة.. حين عدت لمزاولة الدراسة.. كان عقلي يصم أذنيه كلما جاءه أحد معزيا
خلقت مسافة بيني وبين الواقع.. وعلقت بينهما
الدمع.. هنا.. محتبس.. قريب جدا.. وخانق.. لكن لا سبيل لفتح الباب أمامه
في القطار.. وقف رجل خمسيني قبالة يحمل جريدة.. جريدة أبي..
انفجرت شلالات عيني.. وعلا صراخ لا أكاد اصدق انه صوتي..
تحلقت حولي فتيات غريبات.. سألت إحداهن بعد أن خمدت.. مابك.. قلت.. مات أبي
قالت.. اليوم!! أجبت بل قبل اكثر من أربعين يوماً.. وشاهدت قسماتها تتحور استغرابا.
بعد أسبوع في المختبر.. مر أستاذ لا أعرفه.. لم أره من قبل.. لكنه يشبهه كثيراً.. لم اصرخ يومها.. لكني غرقت في سيل مالح
في المساء.. عندما تغرب الشمس.. أمشي معلقة نظري على الأفق.. متجاهلة حفر الطريق.. فأنا لا أتحمل رؤية الأرض.. تذبحني فكرة.. أن يكونوا صادقين وأن يكون أبي هناك نائما تحت التراب البارد في هذا الشتاء
فياضانات باب الواد.. زميلاتي يحاولن تخيل صعوبة موت الغريق.. صعوبة دقائقه الاخيرة وهو يعلم يقينا أنه ماض الى نهايته.. والبرد.. سكاكين البرد
فأتخيل.. كيف أمضى أبي أكثر من سنة وهو يتعذب ألما.. ويرقب نهايته.. أتذكر الأقراص الصلبة التي اشتراها لتعلم الانجليزية.. وأهرب من أمامهن..
في المكتبة.. فقدت فتاة وعيها.. وجاءت سيارة الإسعاف.. تلك السيارة اللعينة التي سافر على متنها والدي لآخر مرة.. تنهار قدماي.. وينفجر سيلان في وجهي.. وصوت ذلك الصوت مجددا
الحقيقة أني تعبت.. لست ممن يبكين علنا.. لست ممن يتحملن نظرات الشفقة..
فقررت أن أمضي نهاية الاسبوع في غرفتي الجامعية وحيدة.. لا لأدرس.. بل لأبكي
لكن كيف أبكي.. تنقصني الوسيلة.. توجهت لبائع الاشرطة وطلبت شريطا حزينا.. حزينا جداً
اقترح علي محمد فؤاد وهاني شاكر.. حملت واحدا وانصرفت
فوضع شريطا آخر.. تدفق حولي صوت الموج.. والنوارس.. نوارس الرحيل.. و صوت كمال مسعودي
فعدت اليه راكضة.. أريد هذا الشريط ولا غيره
في غرفتي.. شغلته.. لكن من الجهة الاخرى على مايبدو
فجاءني صوت كمال "غاب عني باباب حنيني.. خلالي الوحش في الديار..ساعة لفراق بكات عيني.. سالت دموعي مطر.. ساعت لفراق بكات عيني سالت دموعي مطر.. ساعة لفراق بكات عيني سالت دموعي مطر... "
وبكيت.. بكيت.. وبكيت
#يوميات
#أربعون
#فراق
#حدث_في_مثل_هذا_اليوم
youtu.be/QREfslOaSy8?si=VLpvLXZ…
10