
مقال 5 دقائق للقراءة
رجم شمس الظلام بحجارة الحروف العظام والذب عن الأئمة الأعلام
لحوم العلماء مسمومة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بُعث رحمةً للعالمين، أما بعد: فإنّ أعظمَ ما تنعمُ به الأممُ وتستقيم به حياتُها هو وجودُ أهلِ العلم والتقى؛ فهم النجومُ التي تُهتدى بها في ظلماتِ الجهالة، والسرُج المنيرة التي تَكشف غياهبَ الشبهات. ولما كان البناءُ المعرفيّ والأخلاقيّ للمجتمعات يعتمدُ -بعد الله تعالى- على ثِقتها برُموزها مِن العلماء قديما وحديثا، كان الطعنُ فيهم ليس مجردَ إساءةٍ شخصية، بل هو هدْمٌ لأعمدةِ البيت الذي نأوي إليه جميعاً. -ومن هنا يتبيّنُ لك خبْث الرافضة سبّابة الصحابة- وحين يُفسح المجال للسفهاء أو الجهال للنيل من ورثة الأنبياء، فإنّ الغاية لا تقف عند تشويه الأشخاص، بل تتعدّاها إلى إطفاء نورِ الهداية وتشكيكِ الناس في ثوابِتهم، ليخلوَ الجو لأصحاب الأهواء والباطل كي يروّجوا لضلالاتهم بلا رقيب ولا حسيب. إن الوقيعة في أهل العلم تُمهّد الطريق لضياع معالم الشريعة، وتجعل المجتمعات بلا وِجهة ولا بَوصلة، يتخبط فيها الحائرون. وقد ابتُلينا -والله المستعان- بأقوام يتجاسرون في إسقاط أئمة الدين مما جعل حفظَ حُرمة العلماء والذبَّ عنهم وتقديرَ جهودهم والتماس العذر لهم ليس ترفاً فكرياً، بل هو صيانة للدين وبصيرة في الأمة، وحراسة لعقول الناشئة من أن تختطفَها التيارات العصرية الغريبة. ومن أولئك الذين ركبوا هذا المنهج الخاطئ مَن ظهر في الآونة الأخيرة في مواقع التواصل الاجتماعي ويُبَاهِل علناً في علم الله -واجعل تحت (في علم الله) خطا- على تكفير السيوطي وتبديع أبي حنيفة والنووي وابن حجر -رحمهم الله جميعا- ممن كانوا من البشر يخطئون ويصيبون. أمَا درى المسكيين أن العلماء قديما وحديثا قد بيّنوا ما هو بحاجة إلى البيان، وحفظوا لهم مكانتهم وأنصفوهم؟ أمثالهم من يدعو إلى إحراق (فتح الباري) الذي أطلق عليه ديوان السنة، و(المنهاج) كذلك والله المستعان. وإن بعضَ من كفره أو بدعه هذا العابث، قد أثبتَ بعض العلماء رجوعَه مِن منهجه الذي انتُقد عليه، كالنووي مثلا، فإن شيخَ مشايخنا العلامة المحدث عبدالمحسن العباد مع بعض العلماء يرون أنه قد رجع من مذهبه الذي كان عليه، ولهم أدلتهم القوية في هذا، وليس المجالُ مجالَ البسط في هذا، لكن أحيلُك أيها القارئ إلى محاضرة للشيخ مشهور بن حسن آل سلمان -حفظه الله- بعنوان: ( الدلائل الوفية في تحقيق منهج الإمام النووي... ) هي محاضرة قديمة جدا للشيخ يحسن الرجوع إليها. • ثم القوم قد أفضوا إلى ما قدموا وخلّفوا لنا هذا الإرث العظيم الذي نراه اليوم وننهل من معينه العذب، وقد أشرتُ إلى أن ما فيها من الكدر فقد بيّنه العلماء ولا يوافقهم فيها أحد -عفى الله عنا وعنهم- لكن ليس ذلك مسوّغا للوقيعة فيهم، ناهيك عن إخراجهم من الإسلام أصلا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولهذا أجريت قلمي في نظم قصيدة أهجو فيها الرجل دفاعا عن الحق وذباً عن أئمة الهدى، وسميتها: [رجم شمس الظلام بحجارة الحروف العظام والذب عن الأئمة الأعلام] فقلت:
- -> عَذِيريَ مِنْ أعمَى إِذا قَادَهُ أعمَى <-
وَمِنْ (شَمْسِ ظُلْمَاتٍ) تُحِيلُ الهُدَى ظَلْمَا
- يَخُوضُ بِلاَ عِلْمٍ وَيَطْعَنُ فِي الذُّرَى
وَيَحْسَبُ أَنَّ الجَهْلَ يُكْسِبُهُ فَهْمَا
- -> وَيَزْعُمُ أَنَّ الحَقَّ مِلْكُ لِسَانِهِ <-
وَيَبْغِي عَلَى أَهْلِ الهُدَى ذلِكَ الأعمَى
- -> يُكَفِّرُ أَعْلاَمَ الوَرَى بِمَجَالِسٍ <-
وَيَزْعُمُهُ سَيْفاً وَقَدْ خِلْتُهُ كَهْمَا
- -> صَرِيعُ هَوَى التَّفْكِيرِ، يَعْلُو صُرَاخُهُ <-
فَلاَ رَأْيُهُ يُرْجَى، وَلاَ عَقْلُهُ يُنْمَى
- -> يُكَبِّرُ فِي الشَّاشَاتِ صَوْتاً وَمَظْهَراً <-
وَيَنْشُرُ فِي (الفِيسْبُوكِ) بَاطِلَهُ زَعْمَا
- -> فَمَنْ أَنْتَ يَا هَذَا لِتَطْعَنَ فِي العُلَى <-
(وَتُرْسِلَ فِيهِمْ مِنْ كِنَانَتِكَ السَّهْمَا
)
- -> وَتُبْغِضَ مَنْ وَالَاهُمُ وَتَسُبُّهُ <-
تُبَاهِلُ مَنْ يَلْقَى لِتَجْعَلَهُ خَصْمَا
- -> أَتَطْعَنُ فِي قَوْمٍ هُمُ قُدْوَةُ الوَرَى <-
وَكَانُوا لَهُمْ شَمْساً سِرَاجاً كَذَا نَجْمَا
- -> بِعِلْمٍ وَتَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ وَالتُّقَى <-
أَزَاحُوا دَيَاجِي الجَهْلِ وَالعيّ والظَّلْمَا
- -> شُمُوخٌ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ نَاطِحُ صَخْرَةٍ <-
أَقَلُّهُمْ قَدْراً مَنَاقِبُهُ عُظْمَى
- -> عَجِبْتُ وَأَمْرُ النَّاسِ فِي الأَرْضِ أَعْجَبُ <-
إِذَا مَا رَأَوْا شَيْخاً أَقَامُوا لَهُ التُّهْمَا
- -> عَجِبْتُ لِطَعْنِ الشَّمْسِ فِي سُرُجِ الدُّجَى <-
-أُولِي العِلْمِ وَالتَّقْوى- وَجَعْلِهِمُ خَصْمَا
- -> فَمِنْهُمْ إِمَامُ الدِّينِ كَانَ مُجَاهِداً <-
فَقِيهَ الهُدَى، مَنْ أَسَّسَ الرَّأْيَ وَالفَهْمَا
- -> وَأَوَّلُ أَصْحَابِ المَذَاهِبِ فِي الهُدَى <-
ذَوِي الفَضْلِ أَنْصَارٌ هُمْ لِلورَى نُعْمَى
- -> وَمِنْهُمْ هُمَامٌ نَاصِرُ السُّنَنِ الَّذِي <-
عَلَا شَأُوُهُ كَيْ يَحْمِيَ الدِّينَ وَالحُرْمَا
- -> هُوَ البَيْهَقِيُّ ابْنُ الحُسَيْنِ أَبُو بَكْرٍ <-
لَهُ مِنَنٌ لِلشَّافِعِيِّ بِهَا النُّعْمَى
- -> وَمِنْهُمْ إِمَامٌ مِن (نَوَى) هُوَ زَاهِدٌ <-
وَمِنْهَاجُهُ أَوْفَى الشُّرُوحِ كَذَا أَسْمَى
- -> وَ(أَذْكَارُهُ) طَابَتْ، كَذَا (الأَرْبَعُونَ) قَدْ <-
أَضَاءَتْ، مَعَ (المَجْمُوعِ) يَرْوَى بِهَا الأَظْمَى
- -> وَمَاذَا تَقُولُ المَكْرُمَاتُ لِعَالِمٍ <-
حَوَى فَتْحُهُ كُلَّ الفُتُوحَاتِ والعِلْمَا
- -> فَقِيهٌ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مُحَدِّثٌ <-
مُهَذَّبُ تَهْذِيبِ الكَمَالِ وَلاَ لَوْمَا
- -> مُحَقِّقُ هَذَا العِلْمِ ذُو الفَضْلِ وَالسَّنَى <-
وَ(نُزَهَاتُهُ) يَا صَاحِ فُضْلَى كَذَا نُعْمَى
- -> وَهَذَا السَّيُوطِيُّ الَّذِي مَلَأَ الدُّنَى <-
وَدَوَّنَ آلَافاً مِنَ الكُتْبِ كَيْ تُحْمَى
- -> إِمَامٌ جَلِيلٌ قُطْبُ كُلِّ جَلِيلَةٍ <-
تَصَانِيفُهُ سِيرَتْ بِهَا اليَوْمَ فِي الهَيمَا
- -> وَصَاحِبُ جَمْعٍ لِلْفُنُونِ غَزِيرَةٍ <-
كَسَا أُمَّةَ الإِسْلاَمِ مِنْ عِلْمِهِ نِعْمَا
- -> أُولَئِكَ أَعْلَامُ الهُدَى وَحُمَاتُهُ <-
وأنصَارُ دِينِ اللّهِ إِذْ نَشَرُوا العِلْمَا
- -> (أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ) <-
وَإِلاَّ فَكُفَّ الشَّرَّ أَوْ أُطْلِقَ النَّظْمَا
- -> أُولَئِكَ قُدْوَاتُ الوَرَى لَسْتَ بَالِغاً <-
مَقَامَهُمْ عُشْراً وَلاَ نِصْفَهُ غُنْمَا
- -> وَلاَ عُشْرَ مِعْشَارٍ يَكُن لَكَ مِنْهُمُ <-
نَصِيبٌ وَلاَ حَظٌّ وَقَدْ سَاقَكَ الأَعْمَى
- -> فَيَا شَمْسُ أَقْصِرْ، وَاحْذَرِ الطَّعْنَ فِي العُلَا <-
فَإِنَّ سِهَامَ اللَّهِ لاَ تُخْطِئُ المَرْمَى
🪶أبُو الْبَرَكاٰتِْ التّشادي
15 ربيع الآخر 1448 ___ 26 سبتمبر 2026
