
مقال دقيقتان للقراءة
فرزنة الكلمة
فرزنة الكلمة: عندما يتنفسُ النصُّ بالحكمة والصمت في بستان اللغة الواسع، تعبر الفكرة بالبال كسرابٍ خاطف، أو حلمٍ يوشك أن يندثر. لا تكونُ الفكرة وجوداً يمشي في أزقة الروح حتىٰ تكتسي جلباب «الكلمة». غير أن اللغة ليستْ مُجردَّ خزينةٍ نغرف منها ما نشاء وقتما نشاء؛ بل هي حقلٌ يحتاج إلى حرثٍ وفلاحة، يقتضي منا ألا ننثر البذور سُدى، بل أن نمارس عليها عملية أزلية تدعى: «فرزنة الكلمة». معنىٰ الفرزنة بينَ طيات الفكر «الفرزنة» في أصلها التقني والتنظيمي هي عزل الغثْ عَنْ السّمين، وترتيب الأشياء في فئات تحكمها الغاية. لكنها حينَ تتصل بالكلمة، تتحول مِنْ مُجردَّ عملية منطقية إلىٰ فنٍّ فكري ورؤية أدبية سامية. إن فرزنة الكلمة ليستْ سوىٰ صقلٍ مُستمر للغة الكاتب، وإستبعادٍ شجاع للألفاظ المائعة التي لا تحمل حجماً ولا ظلاً. إنها الوقوف بحزمٍ أمام طوفان الكلمات الهادرة التي تحاول إقتحام النص لمُجردّ الزينة الحرفية؛ ليبقىٰ النص في النهاية ناصعاً، مشدود العود، بليغ المراد. أبعاد فرزنة الكلمة تتجاوز فرزنة الكلمة في أبعادها حدود التصحيح اللغوي والمعجمي، لتلامس أغوار النفس وحكمة الصياغة: الفرزنة الأخلاقية (أمانة المفردة): الكلمة موقف، والألفاظ أوعيةٌ للمقاصد. فرزنة الكلمة هنا هي غربلة المفردات للتأكد من خلوّها من الزيف والمبالغة، وإنتقاء الألفاظ الأكثر صدقاً وعدلاً في التعبير عن واقع الحقيقة. الفرزنة الجمالية (إيقاع الصمت والنطق) ليست العبرة بزيادة المفردات، بل بوزنها الأدبي. فالكاتب الحاذق يُفرزن مفرداته كما يُفرزن العازف أوتار نغماته، عارفاً متىٰ يتكلم المُفرد، ومتىٰ يكون الصمت أبلغ مِنْ الإطناب... الفرزنة الذهنية (تكثيف المعنى): هي قدرة العقل على عزل الفضول والثرثرة، وإعتصار النص حتىٰ يتكثف المعنىٰ في أقل قدرٍ ممكن مِنْ الألفاظ، ليرتقي النص إلى مرتبة الحكمة. السؤال المعرفي هُنا __السلوكي الكَـلَّمي.. كيف نُمارس فرزنة الكلمات؟ تتطلب الفرزنة شجاعة كبرى، لأن الكاتب غالباً ما يأسره جمال مفردةٍ كتبها، غير أن خدمة النص تقتضي التخلي عنها إذا كانت لا تخدم جوهر الفكرة. «إن النِتاج الأدبي لا يُقاس بما أضفته إلى النص، بل بمدى قُدرتك على حذفِ كل ما هو فائض دون أن تختلّ الروح.» تمر فرزنة الكلمة بثلاث مراحل رئيسية: الفيض التدفق: أن تدع قلمك يكتب دون قيد أو شرط، فتتدفق المفردات بغزارة. الغربلة والتشذيب: أن تعود إلى ما كتبت بذكاء الناقد وروح الفيلسوف، لتستبعد الألفاظ المُستهلكة والصور البلاغية الزائفة. التسكين والترتيب: أن تضع كل كلمة فرُزِنت في موضعها الدقيق، بحيث لو أزلت مفردة واحدة لأختلّ البناء كله. الكلمة بعد الفرزنة حينَ تُفرزن الكلمة، تُصبح «طاقة» لا مُجردَّ «حروف». تخرج من دائرة الضجيج لتلُج في صميم الأثر. إن الكلمات المفروزة بعناية هي التي تُعّمر في أذهان القُراء، وتُقاوم طمس الزمان، لأنها صُقلت بنار الفكر وروح البلاغة. فلتُفرزن كلماتك قبل أن تُطلقها؛ فرَبُّ كلمةٍ واحدة فرُزِنت بحكمة، أضاءت عتمة روحٍ، وغيرتْ مجرىٰ حياة.
#مجتمع
