
مقال 8 دقائق للقراءة
{الحسد من الإفصاح عن إنجازات الآخرين.. حين يصبح نجاح الغير إهانة للنفس}
ليس كل من ضاق بإنجازات الآخرين عاجزا عن تحقيق مثلها، وليس كل من انتقد نجاحا يجهل قيمته؛ فثمة نوع خفي من الحسد لا يظهر بالضرورة في صورة عداوة صريحة أو إساءة مباشرة، بل يتجلى في انقباض النفس حين تسمع خبرا سعيدا عن غيرها، وفي الضيق حين ترى إنسانا يتقدم، وفي الرغبة الدفينة في ألا يُمنح ذلك الإنسان ما يستحقه من تقدير وإعجاب.
إنه الحسد من الإفصاح عن الإنجازات؛ ذلك الشعور الذي يجعل بعض الناس يستثقلون مجرد سماعك تتحدث عن نجاح حققته، أو علما اكتسبته، أو مهارة طورتها، أو مشروعا أنجزته، أو فرصة ظفرت بها بعد تعب طويل. فكأنك حين تخبرهم بما حققت، لا تشاركهم فرحتك، بل توقظ في نفوسهم مقارنة مؤلمة بين ما أنت عليه وما يتمنون أن يكونوا عليه.
ومن أشد صور هذا النوع خفاء أن يكون الحاسد مقبلا عليك بوجه بشوش، لكنه يضيق من الداخل كلما ذكرت إنجازا جديدا. يستمع إليك، غير أن اهتمامه لا ينصب على تفاصيل نجاحك بقدر ما ينصب على البحث عن ثغرة ينتقص بها منه. فإن أخبرته أنك تعلمت شيئا جديدا، سأل عن مدى إتقانك له. وإن أخبرته أنك أنهيت مشروعا، بحث عن عيوبه قبل أن يعرف قيمته. وإن حدثته عن إشادة تلقيتها، حاول أن يجعلها أمرا عاديا لا يستحق الذكر. وإن رأى الناس يثنون عليك، أخذ يبحث عن سبب يفسر به إعجابهم، وكأن نجاحك لا بد أن يكون وراءه حظ أو مجاملة أو مبالغة.
ومن علاماته أن الخبر السار لا يبقى عنده خبرا سارّا، بل يتحول إلى قضية ينبغي التقليل منها.
فإن حققت إنجازا كبيرا، صغّره. وإن حققت إنجازا صغيرا، سخر من اهتمامك به. وإن سكت عن إنجازاتك، ظن أنك لم تحقق شيئا. وإن تحدثت عنها، اتهمك بحب الظهور والتفاخر. وهكذا تجد نفسك أمام عقلية لا ترضى لك في كثير من الأحيان أن تتقدم، ولا تترك لك حتى حرية التعبير عن تقدمك دون أن تحاكم نيتك وتشكك في قيمتك.
ومن صوره أيضا أن يغيّر الحاسد موضوع الحديث فور سماعه خبرا مفرحا عنك، أو يقابلك ببرود مفاجئ بعد أن كنت تتوقع منه مشاركة وجدانية صادقة، أو يمنح إنجازات الآخرين اهتماما واسعا بينما يتعامل مع إنجازك وكأنه أمر لا يستحق الالتفات. وقد يبارك لك بعبارات مقتضبة تخلو من حرارة المشاركة، ثم يبالغ في الاحتفاء بإنجاز شخص آخر يشبه إنجازك أو يقل عنه، لأن المشكلة لم تكن في طبيعة الإنجاز، بل في الشخص الذي حققه.
وقد يتخذ الحسد صورة أكثر دهاء؛ فيسعى صاحبه إلى معرفة تفاصيل مشروعك وخططك ومصادر قوتك، لا بقصد الاستفادة أو التشجيع، وإنما ليقارن نفسه بك، أو يراقب تقدمك، أو يبحث عما يطمئنه إلى أنك لن تسبقه كثيرا. وقد يحاول التقليل من شأنك أمام الآخرين، أو يكرر أخطاءك القديمة كلما رأى نجاحك الحالي، أو يسلط الضوء على نقص عابر فيك ليحجب به صورة متكاملة من الاجتهاد والإنجاز.
ومنهم من لا يحتمل أن يسمع الناس يمدحونك، فيبادر إلى ذكر شخص آخر أكثر منك كفاءة في نظره، وكأن الاعتراف بفضلك انتقاص من فضل غيرك. ومنهم من يطالبك بإثباتات لا يطالب بها سواك، ويشكك في قدراتك حتى بعد أن تقدم الدليل، ثم يظل يؤجل الاعتراف بقيمتك إلى أجل لا يأتي. ومنهم من يفرح إذا تعثرت، لا لأنه استفاد من تعثرك، بل لأن سقوطك يخفف عنه ألم المقارنة، ويعيد إليه شعورا مؤقتا بالتفوق.
والأشد إيلاما أن يأتي هذا كله من قريب أو صديق أو شخص كنت تظنه من أكثر الناس حرصا على سعادتك. فأنت لا تنتظر منه تصفيقا دائما، ولا تطلب منه أن يراك أعظم الناس، وإنما تنتظر الحد الأدنى من المودة: أن تفرح لفرحك، وأن تعترف بجهدك، وأن تسمح لك بأن تتحدث عن ثمرة تعبك دون أن يحول حديثك إلى ساحة للتقليل والمنافسة الخفية.
وهنا ينبغي التفريق بين الحسد والنقد الصادق؛ فليس كل من ناقشك حاسدا، ولا كل من لم يمدحك كارها لنجاحك. فقد يكون لدى الإنسان رأي موضوعي، أو ملاحظة نافعة، أو طبع قليل التعبير. لكن الفارق يظهر في التكرار والسياق والإنصاف: فالناصح يريد أن يتحسن إنجازك، أما من يتعمد الانتقاص منك فلا يكفيه أن يبيّن موضع الخلل، بل يسعى إلى إلغاء قيمة العمل كله؛ والناصح يستطيع أن يعترف بفضلك مع بيان ملاحظاته، أما المتحيز ضدك فيصعب عليه أن يمنحك حقك حتى حين تكون حجتك واضحة.
إن الحسد لا يكتفي أحيانا بتمني امتلاك ما لدى الآخرين، بل قد يصل إلى تمني ألا يستمتعوا هم بما امتلكوا. فليس كل حاسد يريد أن يصبح مثلك فحسب؛ قد يريد أيضا أن تتوقف أنت عن التقدم، أو أن تخفت صورتك في أعين الناس، أو أن تفقد الاعتراف الذي حصلت عليه، حتى يشعر بأن المسافة بينكما قد تقلصت. وهذه من أقسى صوره؛ لأن صاحبها لا يجعل طموحه قائما على البناء، بل يربط راحته بتراجع غيره.
ومن المفارقات أن بعض الناس لا ينتبهون إلى إنجازاتك إلا عندما يبدأ الآخرون بالانتباه إليها. فقد تكون تعمل في صمت فلا يلتفت إليك أحد، ثم ما إن تحصل على تقدير أو ينتشر عملك أو يبدأ الناس في السؤال عنك، حتى يظهر من يراجع تاريخك، وينقب عن نقائصك، ويبحث عن تفسير يقلل من استحقاقك. وكأن الاعتراف الاجتماعي الذي حصلت عليه هو ما جعل إنجازك فجأة جديرا بالمقاومة.
وقد يبلغ الأمر أن يصبح نجاحك مقياسا يوميا لفشلهم في نظر أنفسهم، مع أنك لم تنافسهم، ولم تسلبهم فرصة، ولم تطلب منهم أن يكونوا مثلك. أنت تسير في طريقك، وهم يضعون أنفسهم في سباق معك لم تعلن عنه أصلا. أنت تنشر ما أنجزت، وهم يقرؤون فيه مقارنة شخصية. أنت تفرح بما وصلت إليه، وهم يسمعون في فرحتك تذكيرا بما لم يصلوا إليه. وهكذا تتحول نعمة عندك إلى مصدر اضطراب عندهم، لا لأنك أسأت إليهم، بل لأنهم لم يتعلموا كيف ينظرون إلى نجاح الآخرين دون أن يحاكموا أنفسهم من خلاله.
ومع ذلك، فإن أشرف رد على هذه العقلية ليس التكبر، ولا استعراض الإنجازات بقصد استفزاز أصحابها، ولا الدخول في معارك لإجبار الآخرين على الاعتراف بك. إنما هو أن تعرف قيمة جهدك دون أن تجعلها رهينة لمديح الناس، وأن تفرح بما أنجزت دون أن تتخذ منه وسيلة لإذلال أحد، وأن تواصل التقدم دون أن تمنح كل نظرة باردة أو كلمة منتقصة سلطة على مزاجك وقراراتك.
ولا يلزمك أن تكشف تفاصيل كل مشروع أو خطة لكل شخص؛ فخصوصية الإنجاز حق، وحسن اختيار من تشاركهم أخبارك حكمة، لا خوفا من الناس، بل حفاظا على وقتك وراحتك وما تعمل عليه. شارك فرحتك مع من يحسن استقبالها، وتعلم أن بعض العلاقات لا تتسع لكل تفاصيل حياتك، وأن تقليل الإفصاح أحيانا ليس كتمانًا للنعمة، بل اختيار واع لمن يستحق أن يكون قريبا من مسيرتك.
أما من اعتاد أن يقابل أخبارك بالتقليل والتشكيك، فلا تدخل معه في امتحان متكرر تثبت فيه أنك تستحق النجاح. لا تجعل كل إنجاز محكمة، ولا كل فرحة مناظرة، ولا كل تقدم مناسبة للدفاع عن نفسك. أنجز، وتعلم، وطوّر أدواتك، ودع جودة عملك تتحدث حيث ينفعها الحديث، واحتفظ بهدوئك حيث لا يجدي التبرير.
فالحقيقة التي ينبغي ألا تغيب هي أن إنجازك لا يصبح أقل قيمة لأن شخصا لم يعترف به، ونجاحك لا يفقد معناه لأن آخرين لم يفرحوا لك، وفضلك لا يزول لأن أحدهم وجد في الاعتراف به ما يزعجه.
والناس ليسوا مطالبين جميعا بأن يصفقوا لك، لكنك لست مطالبا أيضا بأن تصغر نفسك حتى لا يشعر أحد بالضيق، أو أن تخفي كل ما يسعدك خوفا من تفسير سيئ، أو أن تتوقف عن التقدم حتى تحافظ على راحة من يقارن نفسه بك.
من يحبك بصدق يستطيع أن يراك تتقدم دون أن يشعر بأنك تنتقص منه، وأن يسمع خبر نجاحك دون أن يحوله إلى معركة شخصية، وأن يهنئك دون أن يبحث فورا عن إنجاز يضعه في مواجهتك. أما من لا يطمئن إلا حين يراك متعثرا، فلا تجعل رضاه مقياسا لسلامك، ولا تجعل بروده دليلا على أنك بالغت في الفرح.
فليس من العدل أن تعتذر عن ثمرة تعبك كي يرتاح من لم يشاركك عناءه، وليس من الحكمة أن تطفئ نورك كي لا يشعر غيرك بظلمة المقارنة.
امض في طريقك متواضعا لا متصاغرا، واثقا لا متكبرا، كتوما حيث تكون الخصوصية أصلح، ومعلنا حيث تكون المشاركة نافعة. افرح بنجاحك، واعترف بفضل من ساعدك، وأنصف غيرك كما تحب أن ينصفك الناس. فبهذا تحفظ قلبك من الكبر، وتحفظ إنجازك من أن يتحول إلى أداة للمفاخرة، وتحفظ نفسك من أن تعيش أسيرا لردود أفعال الآخرين.
وفي النهاية، يبقى الفرق واضحا بين إنسان يرى نجاحك فرصة ليتعلم ويتقدم، وإنسان يراه سببا لينتقص منك أو يتمنى تعثرك. الأول يضيف إلى العالم منافسا شريفا أو صديقا صادقا، والثاني يرهق نفسه قبل أن يرهقك؛ لأنه ينشغل بمراقبة ما في يد غيره أكثر مما ينشغل ببناء ما يمكن أن يكون في يده.
فلا تجعل انقباض الآخرين من إنجازك سببا لانقباضك من حياتك، ولا تسمح للحسد، إن وجد، أن يسرق منك فرحة تعبت حتى وصلت إليها. أنت مسؤول عن نيتك، واجتهادك، وأخلاقك، أما ما يختاره الآخرون من مشاعر ومواقف تجاه نجاحك، فليس كله مسؤوليتك، ولا ينبغي أن يكون سجنا لك.
