إلى روح جدّتي قمرة، امرأة من صخر، وأمّ من حرير...
.
1-ابنةُ الهَجِيرِ
رِيحٌ لا تُرى..
تلقّحُ الصّخْرَ
وتُمْرِي السّحاب
ريحٌ لا تُرى
تُرَبّي الخَيْلَ فِي الفَلَواتِ،
وتَعْرِفُ أسْماءَ الآبارِ
قبْلَ أنْ تُولَدَ الآبارُ...
كانَتْ تمُرُّ بِها
قبْلَ أنْ تعْرِفَ الطّرِيقَ،
وتتْرُكُ في يَديْها
رائِحَةَ الجهاتِ كلّها.
2ـ رحمُ البيداء
تمخّضَتِ البيْداءُ... فأنْجَبَتْها
مِنْ رَحِمِ صَخْرةٍ وُلِدَتْ،
حِينَ كانتِ الأرْضُ تبْحَثُ عنْ سقْفٍ،
والسَّماءُ تخبّئُ ماءَها
في غيْبِ الغيْم.
لم تلتقِطْها كفُّ قابِلةٍ،
تلقّفها السّرابُ،
وقطّعَ عصْفُ الرّيحِ حَبْلها السُّرّيَّ
وحين بكتْ للمرّة الأولى،
امتصّتِ البيداءُ دمعها،
وعجنتْ من الرّملِ
امرأةً لا تعرفُ الانحناء.
منذُ ذلك اليوْمِ...
مشتْ، على طريقٍ بلا نهاية
فمن تلدُه البيداء
لا يرثُ بيتًا؛
بلْ يرثُ الطّريق.
مشتْ،
امْرأةٌ من سُلالَةِ الهَجيرِ،
على وجنتيها سُمرةُ المواقدِ،
وفي دمِها ملحُ القوافلِ
تطحنُ الصّبّارَ في كفّيها،
تأكلُ الشّمس،
تشربُ الرّيح،
وتمضي إلى البيداءِ وحدها،
كأنّها آخرُ الأعراب،
أو أوّلُ نجْمةٍ
ضَلّتْ طرِيقَها إلى السَّماء.
وحِينَ جاءَ اللّيلُ،
لمْ تجِدْ فيه غرِيبًا.
3-تلبس جلد اللّيل
كلّما ارْتفَعَ القمَرُ
دليلًا للتّائهين،
تلبسُ جِلْدَ اللّيل،
وتتّخذُ من الرّملِ ناقةً،
زمامها السّرابُ،
وتشدُّ على خاصِرتِها
سيْفًا مِنْ برْقٍ قديم.
فاللّيلُ يعرِفُ خطوتِها،
والرّيحُ تحفظُ اسمها،
والذّئابُ الّتي عوتْ طويلًا
على تخومِ الغيابِ،
تعرفُ أنّها
ليستُ فرِيسَتَها.
4ــ لها وطنٌ يمشي معها
هي ذي، هناك
قمرة، الآن، صارتْ تحْمِلُ غيمتَها
كما يحْملُ المَرْءُ قلبَه
لها خيْمةٌ مِنْ وبَرِ العاصِفةِ،
تنصبُها حيْثُ يشاءُ المدَى،
وتوقدُ نارَها بِحَجَريْنِ،
فتتصاعَدُ منها رائِحةُ الآباءِ
إلى أنُوفِ النّجُوم.
إذا عطشتْ
شقّت بِسَيْفها خاصرةَ الغيم،
واستدرّتْ من شحّه ماءً.
وإذا جاعتْ
اصطادتْ ظلَّ ذئبٍ
كانَ يعْوي
على حُدودِ نَجْد.
ـ5ـ حين سمّتِ الأشياء
قمرة، ابنةُ الرّيحِ
هندستْ للعدمِ ملامحَهُ
قبل أن يتعلّمَ العدمُ
كيف يكونُ مكانًا.
نطقتْ بأسماءِ الآبار
قبل أن تشُقَّ الآبارُ
صدرَ الملح،
فأورقَ العطشُ...
حملتْ قبضةً من ترابٍ مبهمٍ،
وضمّتْها إلى صدرها،
وسمّتْها: وطني
ثمّ رفعتْ حفنةً من نجومٍ غافلةٍ،
ونثرتْ أسماءَها في المدى،
وقالتْ: هذا نسبي
ومنذُ ذلك الصّوت
صار للصّحراءِ جهاتٌ،
وصار للرّيحِ طريقٌ،
وتكلّمَ الرّمل.
وحين منحتِ الأرضَ اسمًا،
منحتها هي..
ذاكرةً.
6ــ ذاكرةُ الرمل
لم تعدِ الصّحراءُ صامتةً...
مذ علّمت قمرة الأشياءَ أسماءها...
إذا نادى البعيدُ
أجابتْه بصهيلِ فرسٍ،
وإذا صاحَ الصّباحُ
خرجتْ إليه حافيةً،
وفي فمها قصيدةٌ
لم يكتبْها أحد.
7-تمشي فتتبعها القوافل
تمشي،
فتتبعها آثارُ القوافل
وتنحني نخلةٌ عجوزٌ في وادي عوف،
جذورُها تشربُ الموت،
وسَعفُها يلوّحُ للسّماء،
كأنّها تعرفها
منذ امرئ القيس.
وفي آخرِ الليل،
حين تنامُ القبائل،
وتسكتُ السّيوف،
تضعُ أذنيها على الرّمل،
وتقتفي دقّاتِ قلبِ جدّها...
ها هو،
ما زال ينبض...
هي فقط
تكملُ ما بدأهُ الغائبون.
ـ8ـ سيّدةُ القفر
ها هي... حين ينكفئُ السّراب،
وتنامُ الرّيحُ متعبةً،
تظلُّ وحدها
تحرسُ كلّ جهاتِ الأرض
لأنّها وحدها
تعرفُ أسماءَها...
قمرة...
ليستْ ضحيّةَ القفر،
قمرة سيّدة القفر،
من أصابعها المغروسةِ في الملح
ينبتُ الأخضر،
ومن صلابةِ صبرها
تنهضُ القبائلُ من رمادها،
إذا انحنتِ الريحُ
رفعتْ رأسها،
وإذا التفتتْ خلفها،
لم تجدْ صَحْراءَ..
وإنّما وجدْتْ ذاكِرَتها.
