السلم في الإسلام
الفصل الرابع: السلم في الإسلام
حين يكون السلام عقيدةً لا شعاراً
الإسلامُ ليس ديناً فيه السلام. الإسلامُ هو السلام. من اسمه تبدأ الحكاية: مأخوذٌ من "السِّلْم"، وربُّ هذا الدين من أسمائه "السلام"، ونبيُّه هو حاملُ راية السلام إلى العالمين. {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}. لم يقل "للمسلمين"، بل للعالمين. كأن الرسالة كلها اختُزلت في كلمة واحدة: الرحمة.
1. الإنسان أولاً: قبل الحدود والرايات
لقد وضع الإسلامُ الإنسانَ في مركز الدائرة، وحرس حياته بسياجٍ من قداسة. {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}. لم يقل "نفساً مسلمة". قال "نفساً". نكرةٌ لتعم كل نفس، أبيضها وأسودها، مؤمنها وكافرها. فالدمُ دم، والروحُ روح، قبل أن تكون جوازات السفر وألوان الأعلام.
لهذا جاء الأمر الإلهي حاسماً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}. لم يقل "ادعوا إلى السلم"، بل "ادخلوا فيه". كأن السلام بيتٌ، والمطلوب أن تسكنه، لا أن ترفع لافتته على بابه فقط. والدخول يكون "كافةً": بكل جوارحك، بفكرك، باقتصادك، بسياستك، لا أن تكون حمامةً في المسجد وصقراً في السوق.
2. السلم لا يعني الاستسلام
وهنا المفترق الخطير الذي ضل فيه فريقان: فريقٌ ظن الإسلام سيفاً لا يغمده، وفريقٌ ظنه خرقةً بيضاء تُرفع عند أول تهديد. والحقيقة أن شريعة الإسلام رفضت الإرهاب ورفضت الاستسلام معاً.
السلمُ في الإسلام هو العدل. {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ}. فحيثما وُجد العدل، وانتفى الظلم، فثم شرع الله، ولو في بلادٍ لا تؤذن مآذنها. والسماحُ للظلم أن يتسلط ذنبٌ، وامتداده مجلبةٌ لسخط الله. لذلك شُرع القتال لا لنشر الدين بالقوة، بل لدفع الظلم: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا}.
فالإسلامُ يمدُّ يد السلام مفتوحة، لكن فيها خاتمٌ منقوشٌ عليه "الكرامة". فإن أراد أحدٌ أن يقطع اليد ليأخذ الخاتم، قطعت يده. هذا هو التوازن الذي عجزت عنه كل المواثيق: سلامٌ قوي، لا سلامٌ ذليل.
3. مع الآخر: من التعارف إلى التراحم
كرّم الإسلامُ الإنسان لإنسانيته، قبل دينه. وجعل علاقة المسلمين بغيرهم تقوم على قانونٍ من ثلاث كلمات: {لِّتَعَارَفُوا}. التعارفُ أولاً. لأن الجهل هو أبُ الحروب كلها. ثم التعاون على البر: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ}. ثم العدل المطلق: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قومٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُهو أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}.
عدلٌ حتى مع من تبغضه. هذه هي القمة التي لم تبلغها شرعة "حقوق الإنسان" بعد. فهي تعطيك حقك إن كنت تحبني، أما الإسلام فيأمرني أن أعطيك حقك ولو كنت أكرهك.
4. أسبق من الأمم المتحدة بـ 14 قرناً
هذه تعاليم الإسلام. والأعظم فيها أنها قيلت حين كان الإنسانُ يُباع في السوق، وحين كانت الحربُ هي اللغة الوحيدة بين القبائل. تحدث القرآن عن كرامة الإنسان، وحق الجائع أن يطعم، والعاري أن يُكسى، والخائف أن يأمن... قبل أن تولد هيئة الأمم المتحدة بألف وأربعمائة سنة.
لذلك فإن اتهام الإسلام بالإرهاب كاتهام الماء بإشعال الحريق. نعم، هناك من يرفع راية "لا إله إلا الله" وهو يقتل. لكن هؤلاء كمن يسرق باسم الشرطة. أفتُلغى الشرطة لأن فيها لصوصاً؟
الإرهابُ الحقيقي هو احتلال الأرض، هدم البيت على ساكنه، تهجير الطفل من لعبته، وإبادة الجنس البشري على الهواء مباشرة. والسكون عن هذا الإرهاب هو الإرهابُ بعينه.
السلام يبدأ من الداخل
شريعة الله عدلٌ كلها، رحمةٌ كلها، حكمةٌ كلها. والسلام لن يُولد في الأمم المتحدة ما لم يولد أولاً في ضمير الفرد. أن تسالم نفسك، فلا تظلمها بالمعصية. أن تسالم أهلك، فلا تظلمهم بالقسوة. أن تسالم جارك، فلا تظلمه بالضجيج. حينها فقط، يصبح العالم قريةً آمنة، لا قريةً تحترق.
فالسلام ليس توقيعاً على ورقة. بل السلامُ توقيعٌ على القلب.
10 مشاهدة