شريكة التكوين
المرأة: شريكة التكوين لا نصف المجتمع
يقولون "المرأة نصف المجتمع". وهذا تقليلٌ من شأنها. هي ليست نصفاً يُضاف إلى نصف، بل هي المحور الذي تدور حوله الأرحام، والمدرسة التي تبدأ منها الحضارات. إذا صلحت، صلح جيلٌ كامل. وإذا انكسرت، انكسر في البيت شيءٌ لا يجبره ألف رجل.
1. سكنٌ لا سلعة
المرأة في ميزان الخالق ليست متاعاً يُقتنى، بل سكناً تُؤوى إليه الأرواح. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}. تأمل: "من أنفسكم". هي منك، قطعةٌ من طينتك، ونفخةٌ من روحك. والسكنُ لا يكون في القصور، بل يكون في الطمأنينة. والمودة والرحمة ليستا منحةً من الرجل، بل قانونٌ إلهيٌ يُولد مع العقد.
بها تكتمل إنسانيةُ الرجل الاجتماعية. فالأعزب مهما بلغ من العمر، يظل في نظر الفطرة "مشروع إنسان" لم يكتمل. وبها يُحفظ النسل، وتُعقد الأرحام، وتُبنى الجسور بين القبائل بالمصاهرة. هي خيرُ متاع الدنيا، لا لأنها تُمتع، بل لأنها تُعين. تعينك على نوائب الدهر، وتنسيك بيدها الحانية هموم الدنيا كلها.
2. بين التكريم والتهميش: ضاع الميزان
مشكلتنا ليست مع النص، بل مع من يقرأ النص بعينٍ واحدة. فريقٌ يراها دميةً خُلقت للمتعة وقضاء الوطر، يُنقصها في كل مجلس، ويُحاضر في "نقص عقلها" وهو لا يحفظ جدول الضرب. وفريقٌ آخر يريد أن يخلع عنها ثوبها، ويلقيها في معركةٍ ليست معركتها، بدعوى "المساواة الميكانيكية" التي تتجاهل الفروق الفطرية.
والحقُّ وسطٌ بينهما. المرأة لا يكرمها إلا كريم، يعرف أنها إنسانةٌ كاملةٌ في عقلها ودينها، شقيقةُ الرجل في التكليف والتشريف. ولا يهينها إلا لئيم، لم يرَ في أمه إلا خادمة، وفي أخته إلا عاراً، وفي زوجته إلا وعاء. ولا يُقلل من شأنها إلا جاهل، قرأ كتاباً واحداً وظن أنه ختم العلم.
قالوا: "وراء كل رجلٍ عظيم امرأة". وأنا أقول: "بجانب كل رجلٍ متزن امرأةٌ عظيمة". ليست وراءه تدفعه، بل بجانبه تسنده. الفرق بين الصورتين هو الفرق بين الوصاية والشراكة.
3. معيار الرجولة الحقيقي
مقياسُ المروءة لا يُقاس في صفقات التجارة، بل في طريقة إغلاق باب البيت. النبيُّ ﷺ، وهو سيد الرجال، كان في مهنة أهله، يخصف نعله، ويحلب شاته، ويقول: «خيركم خيركم لأهله». فمن أهان امرأةً، فقد شك في رجولته قبل أن يشك في قوامته.
في زمنٍ صار فيه "الترند" يقيس قيمة المرأة بعدد المشاهدات، وصارت منصات التواصل سوقاً لنخاسةٍ جديدة تُباع فيها الكرامة باللايكات، نحتاج أن نعود إلى السؤال الأول: لماذا خُلقنا؟ خُلقنا لنسكن إلى بعضنا، لا لنتاجر ببعضنا.
المرأةُ ليست قضية. المرأةُ شريكةٌ في القضية. قضية بناء الإنسان. فمن أراد أن يهدم أمةً، بدأ بأمها. ومن أراد أن يبني أمةً، استثمر في وعيها وعلمها وكرامتها.
هي الأم التي تُرضع، والأخت التي تسند، والزوجة التي تؤوي، والبنت التي تكون حجاباً من النار. فإن أكرمتها، أكرمت أربعةً في واحدة. وإن أهنتها، هدمت أربعة أركانٍ في بيتك.

3 مشاهدة