
مقال 4 دقائق للقراءة
لا الأصالة تعني الانغلاق، ولا الحداثة تعني التنكر للجذور.
كلما احتدم النقاش حول الشعر وأشكاله، وعادت الأسئلة القديمة المتجددة بشأن القصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر، وما يُسمّى بالشعر الحر، وجدتني أميل إلى صورة أراها أقرب إلى طبيعة الشعر نفسه: الشعر خليجٌ ممتدّ في بحرٍ واسع، تتعدد أعماقه، وتتنوّع كائناته، وتختلف فيه طرائق الحياة دون أن تفقد صلتها بالماء. ولعلّ نظرتي هذه متأثرة بعلاقتي بالبحر، فقد تعلّمت منه أن الظاهر لا يكشف دائمًا عن حقيقة الأعماق، وأن اختلاف الكائنات لا يعني بالضرورة صراعها، وأن لكل كائن بيئته التي تمنحه أسباب الحياة. أفكّر في القصيدة العربية بوصفها كائنًا بحريًا؛ لكل شكل شعري خصائصه، ولكل تجربة شروطها الجمالية، ولكل شاعر طريقته في الغوص إلى المعنى واستخراج اللآلئ من محارات اللغة. ثمة كائنات لا تستطيع الحياة خارج الماء، وثمة كائنات تتغذّى من خيراته، وتستمدّ منه أسباب البقاء. وكذلك القصيدة؛ منها ما يستمدّ وجوده من إيقاع الوزن، وانضباط البحور، ووحدة القافية، ومنها ما يبحث عن إيقاعه في حركة العبارة، وتوتر الصورة، وتدفّق الدلالة، ومنها ما يوسّع أفقه باستثمار أشكال تعبيرية مختلفة. ومن هنا، أرى أن إخراج القصيدة من بيئتها الجمالية والحكم عليها بمعايير لا تنتمي إلى طبيعتها قد يفضي إلى قراءة ظالمة؛ فليس من الإنصاف أن نطلب من قصيدة النثر أن تكون قصيدة عمودية، كما لا يصحّ أن نطالب القصيدة العمودية بالتخلّي عن مقوّماتها كي تثبت قدرتها على مواكبة العصر. لكل شكل أدواته، ولكل تجربة نجاحها وإخفاقها، والمعيار في النهاية هو ما تصنعه اللغة من أثر، وما تمنحه الصورة من دهشة، وما تفتحه التجربة من أفق إنساني وجمالي. غير أن هذا الانفتاح لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن مسألة جوهرية: القصيدة العمودية ليست مجرد شكل من أشكال الكتابة الشعرية في تراثنا، بل هي أحد الشواهد الكبرى على تشكّل الذائقة العربية وامتدادها التاريخي. ففيها حفظ العرب جانبًا واسعًا من ذاكرتهم، وسجّلوا تحوّلات حياتهم، وصاغوا رؤيتهم للوجود، وتركوا للأجيال إرثًا إيقاعيًا ولغويًا يصعب فصله عن تاريخ العربية وثقافتها. إن الوقوف عند هذا الإرث لا يعني تحنيطه، ولا تحويله إلى مقياس وحيد تُوزن به جميع التجارب الشعرية، وإنما يعني إدراك قيمته في بناء هويتنا الأدبية، والتعامل معه بوصفه موردًا حيًّا قادرًا على التجدد، لا أثرًا جامدًا خلف زجاج المتاحف. فالهوية التي لا تتحاور مع حاضرها تفقد حيويتها، والانفتاح الذي يقطع صلته بجذوره يفقد شيئًا من خصوصيته. لقد اتسعت التجربة الشعرية العربية، عبر مراحلها التاريخية، لتستوعب أشكالًا ورؤى جديدة، وأسهم احتكاك الشعراء بالآداب والثقافات الأخرى في تحريك أسئلتها الجمالية، وتجريب طرائق مغايرة في بناء النص وتشكيل الصورة والتعبير عن الذات والعالم. ومع ذلك، فإن هذه التحولات لا يمكن اختزالها في أثر الثقافات الأخرى وحده؛ فقد نشأت أيضًا من تحولات داخلية في المجتمع العربي، ومن تطور اللغة والذائقة، ومن حاجة الشعراء إلى ابتكار صيغ تستجيب لأسئلتهم الجديدة. ولعلّ من المفيد هنا أن ننتبه إلى أن الشعرية أوسع من القالب؛ فقد تسكن قصيدة موزونة، وقد تتجلّى في نص نثري، وقد تعبر عن نفسها في صورة عابرة تفتح في الوعي نافذة على المجهول. فالشعرية ليست حكرًا على شكل واحد، كما أن انتساب النص إلى شكل شعري بعينه لا يمنحه الجودة تلقائيًا. ثمة قصائد عمودية تخلو من روح الشعر، ونصوص نثرية تتوهّج بالشعرية، والعكس صحيح. الفيصل هو التجربة وقدرتها على تحويل اللغة من وسيلة للإخبار إلى طاقة على الكشف والإيحاء. لهذا، لا أجدني معنيًّا بإقامة سور بين أشكال القصيدة، ولا بإعلان انتصار شكل على آخر. ما يعنيني هو أن نعرف البحر الذي نسبح فيه، وأن نفهم طبيعة الكائن الذي ندرسه، وأن نمنح كل تجربة حقها في النقد والتقدير. فالاختلاف بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة تلغي ما بينها من إمكانات للحوار والتجاور. نحن أبناء لغة واحدة، وإن تعدّدت طرائقنا في الإصغاء إلى نبضها. ومن حقنا أن نعتزّ بالقصيدة العمودية بوصفها جزءًا أصيلًا من ذاكرتنا الثقافية، وأن نقرأ الأشكال الأخرى بانفتاح ومسؤولية، بعيدًا عن عقدة التفوّق أو عقدة النقص؛ فلا الأصالة تعني الانغلاق، ولا الحداثة تعني التنكّر للجذور. أما أنا، بحكم علاقتي بالبحر، فأميل إلى الإيمان بأن اتساع الماء لا ينتقص من خصوصية كائناته، وأن اختلاف الأعماق لا يلغي وحدة البحر. وربما كان أجمل ما نتعلّمه من هذه الصورة أن نكفّ عن سؤال: أيّ القصائد أحقّ بالحياة؟ وأن نبدأ بسؤال آخر: أيّ القصائد استطاعت أن تعثر على روحها، وأن تمنحنا، في شكلها الخاص، سببًا جديدًا للدهشة؟ فالبحر لا يطلب من كائناته أن تتشابه، والقصيدة، مهما اختلف شكلها، لا تستحق اسمها إلا حين تحمل في أعماقها شيئًا من الحياة.
