أمي.. تلك النفحة الهاربة من فردوس الغيب، البوابة المشرعة على حدائق الريحان والفل.
بين كفيها الدافئتين تشكلت رياض طفولتي، و على عتبة حنانها يسقط الزمن لأغدو صغيراً أمامها ؛ ففي كل زيارة لها، أتحلل من كينونتي المحدودة لأعود ممتلئة بـحبٍّ كوني، كأنني أتسع للوجود بأكمله. هناك، في حضنها، تذوب معاناتي وتتحول إلى سراب تبدده شمس الرضا، ويغدو الحنان واحة سرمدية تنبض في صدري. أخرج من بيتها فائضة بالبهجة، ألاطف الوجود، أحتوي البشر برفق، وأوزع صدقاتٍ من بسماتي على وجوه المتعبين. تعجب الخلائق من حالي السعيد رغم وعورة واقعي، ولم يدركوا أنني أحمل في داخلي مجرة استمدت نورها من "شمس" واحدة.. هي أمي.
صديقتي المقربة(الماكرة) تعرف سري وتتحين لحظات امتلائي، تأتي إليّ كظلٍ يطلب الضياء. تجلس لتلقي فوق كاهلي ثقل همومها، تندب حظها العاثر، تلوم القدر بمرارة، وتبكي انكسارها. وفي غمرة وجداني، أتحول أنا إلى "أمٍ" بديلة لها؛ أكفكف أساها، وأهبها من نوري حتى تبتسم، وفي المقابل.. يخبو بريقي قليلاً، ويتسرب الضوء من روحي ليعمر روحها.
وما إن تسترد عافيتها النفسية، حتى تنهض مزهوة، ممتلئة بالراحة التي سرقتها من مخزوني، وتلتفت إليّ قائلة : "عودي إلى أمكِ .. وامتلأي من جديد، فأنا لا أم لي!"
تغادر هي بنفَسٍ مطمئن، وأبقى أنا في عتمة غرفتي، أواجه الفراغ المفاجئ. تلك الجملة الأخيرة لم تكن مجرد كلمات، بل كانت إعلاناً عن حقيقة وجودية قاسية: كيف يمكن لغياب الأم أن يحوّل كائناً إلى ثقب أسود يمتص بهجة الآخرين؟ وكيف يغدو حب الأم ملاذاً نحتمي به، وفي الوقت ذاته، عبئاً ندفعه ضريبة عن خطايا جفاف الآخرين؟
إني أعود لأمي لا لأرتوي فقط، بل لأصلح ما أفسده العالم في روحي..
ماذا أحدثكم عن حبٍ الأم ، نبع حنان ومصيدة ألم في آن معاً؟
12 مشاهدة