آدم وحواء.. شطرا بيت القصيد
الحياة .. بيت من الشِعر لا يكتمل بحره ولا تصفو قافيته إلا باجتماع شطريه معاً في انسجام تام وتكامل فريد
هكذا آدم وحواء حولوا هذا النثر العادي المبعثر على وجه الأرض إلى ديوان شعر مضبوط العاطفة والإيقاع
الأرض قبلهما كانت ركاما من المفردات حجارة وماء وريح وشمس.. ملقاة على قارعة الأزل بلا رابط وحين هبطا جمعا هذه المفردات المشتتة وصاغا منها البحر الشعري الأول
آدم صاغ "التفعيلة" الأولى بضربات فأسه وخطوات سعيه وأنين تعبه وكان يقسم الزمن والمكان بحركات وسكنات وضعت للوجود وزنه وموسيقاه الداخلية فهو الصدر الذي حمل ثقل المعنى وشحنة العاطفة البدائية التي تبحث عن مستقر
حواء كانت "الروي" والقافية هذا الحرف الأخير الذي سكنت عنده حركة الصدر
فهي التي تلقت ذلك الاندفاع العاصف لتضبطه فتحول الهبوط على يدها من حالة سقوط إلى حالة استقرار
و لولا الروي لما شعرنا بانتهاء المقطع ولما ارتاحت نفس السامع ولبقي صدر البيت معلقا في فراغ الاستفهام
هذا التعانق بين الصدر والعجز هو الذي أوجد المقابلة البلاغية الكبرى في الحياة؛ فالقوة قوبلت بالاحتواء والوعثاء قوبلت بالسكينة
كل مشهد بنياه على الأرض كان يراعي هذا التوازن العروضي الدقيق فلم يكن بيتهما الطيني مجرد جدران وسقف بل كان "بيت قصيد" حقيقي فيه من الاشتقاق ما يجعل الاسم يطابق المسمى وفيه من الجناس ما يجعل الروحين تتجانسان رغم اختلاف المعدن
إنهما لم يعيشا الحياة كما هي بل أعادا صياغتها مجازيا فجعلا من النهار بحرا للعمل ومن الليل قافية للمنام لذلك كلما نظر الإنسان اليوم إلى المرأة والرجل في تمام نضجهما وتعاطفهما أدرك أنهما لا يقيمان بيتا من الحجر بل يعيدان نشر ذلك الديوان الأول الذي هبط من السماء ليعلن أن أعظم ما في الكون هو بيت استقام صدره بعجزه
وبعدما التقى الشطران والتحم الصدر بالعجز واعتدلت التفعيلة واستقام البحر لم يكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر إذ لا مطلع يُشرق دون ختام يضمّه ولا قافية تولد في العدم دون فكرة تسبقها
هما اليوم وكل يوم حكاية النغمة وظلها والبداية ومآلها يعيدان كتابة الحياة ليبقى الإنسان – برجلِهِ وامرأتِهِ – هو أبهى بيتِ شعرٍ خطّته يد القدر
وبدونهما يظل الكون كتاباً أبيض بلا سطر وبلا معنى
#آدم-وحواء
#مجتمع
#فلسفة_الحياة

33 مشاهدة