البوح
التحوّل.. مَخاض الرماد والولادة الثانية
تدور بنا عجلة الظروف، فتغير تفاصيلنا دون إذن. قست علينا الحياة، فاستعرنا قسوتها لتصبح دروعاً نقسو بها على بعضنا البعض.
مهما حاولنا المقاومة أو التشبث بجذورنا القديمة، إلا أن أعاصير التحول كانت جبرية؛ كان لا بد لنا أن ننسلخ عن ذواتنا لكي نستمر.
أقف اليوم أمام المرآة لأجد شخصاً آخر..
لستُ "أنا" الذي كنته في الغابر من الأيام. إنه كائن جديد، يرتدي تقاطيع وجهي، ويحمل لون شعري، ويحاكي نبرة صوتي.. لكنه يتحدث بلغة لم أعهدها، ويفكر بأفكار انبعثت من وراء حجاب التجربة.
هل عشتم هذه التجربة من قبل؟
نعم، إنها تجربة الموت الصغير والولادة من جديد.
هذا التحول يبدأ دائماً بخديعة بصرية؛ في البداية، ظننت أن الفضاء الجديد واسع وجميل، وانتشيت بأحلامي الفضفاضة وهواياتي الملونة. لكن الصدمة الكبرى تجلت حين أصاب الجليد واقعي القاسي؛ فتحولت الحياة إلى ما يشبه الثلاجة، تجمدت فيها الطموحات، وانحبست الأنفاس، وظل كل شيء جميل فيّ معلقاً في برزخ الجمود.
ولأن الكون لا يقبل السكون المطلق، امتدت إليّ حرارة حريقٍ استعر بعيداً.. تسللت ألسنته شيئاً فشيئاً، حتى طالت تفاصيل حياتي. أحرقت ذلك الواقع المتجمد، وحولت كل تلك الطقوس الصلبة إلى رماد تذروه الرياح بعد دهر من الاشتعال.
لكن الفلسفة الحقيقية للوجود تكمن هنا:
من رحم الرماد، ومن قاع الفناء، ينبت دائماً شيء أكثر جمالاً ونقاءً.
إن القوة الحقيقية للتغيير لا تأتي من الخارج، بل هي بذرة دفينة في أعماق الروح البشرية ترويها دموع الألم.
اليوم، أستشعر في داخلي صلابة وبأساً لا يتخيله من يرى ملامحي الهادئة.
تلك الحادثة التي عصفت بقلبي لم تكن دماراً عبثياً، بل كانت "الكيّ" الوجودي الذي يُشفى به الميؤوس منه.. وكما قيل في غابر الحِكم: (آخر الطب الكي).
الآن،
أنا أقف على أرضي الجديدة،
اتخذتُ قراري الأزلي: لن أحزن.
سأستمر في العطاء، وسأواصل رحلة الإنجاز، حتى وإن خطوتُ على عكاز..
فالروح لا تعرج ما دام الأمل دليلها، وهذه هي الحقيقة المطلقة لإنسانيتنا
1 مشاركة26 مشاهدة